زدني معرفة

الحجاج بن يوسف الثقفي .. قصة حياته كاملة من الطائف حتى نهايته

هو الحجاج بن يوسف الثقفي، الرجل الذي خرج من ثقيف ليحتل مكانة بارزة في صدر الدولة الأموية، وتفرد له آلاف الصفحات في الكتب والأبحاث والمجلات والصحف، وتصنع عنه الأعمال الدرامية والأدبية، ويثور حوله جدل تاريخي لم ينتهي بعد ١٤ قرنا من حياته.

عمود الدولة الأموية، وهازم أعدائها، الرجل الذي يلعنه البعض، ويشيد به آخرون، الحجاج بن يوسف الثقفي.

والحقيقة، أن التاريخ يكتب في كثير من الأحيان بوجهة نظر كاتبه، فمن المؤرخين من تحدث عن عبقرية الحجاج الإدارية، وفصاحته اللغوية، ودوره في بعض الفتوحات الإسلامية، ومنهم من رماه بالكثير من العيوب، وأهمها إسرافه في الدم والقتل، والطغيان على الخلق.

والحقيقة هنا أيضا، أن الصورة الحقيقية للحجاج بن يوسف، تتسع لتشمل كل هذا وأكثر ..

الحجاج بن يوسف:

هو أبو محمد الحجاج بن يوسف بن الحكم بن عقيل بن مسعود الثقفي (٤١ : ٩٥ ه‍ / ٦٦١ : ٧١٣ م)، وتذكر بعض المصادر أن اسمه كان كليبا، لكنه هو من سمي نفسه الحجاج.

ويقال أن اسم أمه كان "الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي".

علمه في الدين:

المتطلع لبداية حياة الحجاج بن يوسف الثقفي، قد لا يستطيع أبدا أن يتوقع أن هذا الرجل نفسه هو من سيتبدل حاله في قادم الأيام، لكنها السلطة والسياسة، لا تترك أحدا على حاله، وكراسي الولاية ومظاهر الجاه والمال، تبدل كل من تعرض لها، أو غالبيتهم الكاسحة على الأقل.

يقول ابن كثير في كتابه الشهير "البداية والنهاية" عن الحجاج أنه سمع أحاديث رسول اللّه ﷺ من بعض أصحابه رضوان الله عليهم، مثل أنس، وابن عباس... بل قد روي أيضا عددا من أحاديث النبي ﷺ.

أما عن عمله في الطائف قبل أن يلتحق بخدمة بني أمية، فقد عمل الحجاج محفظا ومعلما للقرآن الكريم، ويروي أنه لم يكن يتخذ أجرا مقابل ذلك.

وقد ورد عن بعض السلف أن الحجاج بن يوسف كان يقرأ القرآن فيتمه كل ليلة.

أوقات صعبة:

كان الحجاج يري أن أحوال الدولة لا تستقيم إلا بالشدة مع من خرج عليها أو عارضها.

نزامن صعود الحجاج القوي في المناصب والمكانة مع فترة غاية في الصعوبة من عمر الدولة الأموية، بل وفي واقع المسلمين كلهم في تلك الأيام.

ففي الحجاز كان "عبد اللّه بن الزبير" واتباعه من حوله لهم دعوتهم بخلافة ابن الزبير، خصوصا أن الجو كان قد خلا لعبد اللّه بن الزبير في الحجاز عقب استشهاد الإمام "الحسين" -رضي الله عنه- في كربلاء.

أما في الشام، فكانت الدولة الأموية ذاتها تخوض في بحر من الشكوك، فلقد مات يزيد سنة ٦٤ ه‍، ورغم أن البيعة قد ذهبت لأبنه معاوية الثاني، إلا إنه لم يلبث طويلا حتى مات.

في نفس الوقت الذي كانت فيه أمواج الفتن تتلاطم في العراق.

في هذه الفترة العصيبة، ظهر الحجاج بن يوسف الثقفي.

في شرطة دمشق:

جاء الحجاج بن يوسف الثقفي من ثقيف في الطائف، إلى دمشق عاصمة حكم الأمويين، وقد ترك وراءه أيامه الخالية التي أفرغ أوقاته فيها بين كتاب الله وسنة رسوله.

وعند وصول الحجاج لدمشق، اتصل بقائد شرطتها "روح بن زنباع"، والذي كان يعمل أيضا كوزيرا في بلاط عبد الملك بن مروان، فعينه بن زنباع بين جنود الشرطة.

تتبع روح بن زنباع رجله الجديد، فوجد فيه حزما وشدة لا تلين، في وقت كانت الأمور تكاد تفلت من يد الخليفة ذاته، فلما فاض الكيل بعبد الملك بن مروان، واشتكى لأبن زنباع قلة اتباع الناس له، بل وأحيانا قلة تقديرهم له وخشيتهم منه، زكي له الوزير الحجاج.

بشدته وعزيمته التي لا تلين وولاء مطلق للدولة الأموية، بدأ الحجاج بن يوسف يترقى في المناصب.

وكما يقال أن الحياة فرص، ولكن من يحسن استغلالها هو من يضع نفسه في المكان المناسب والوقت المناسب فإذا جاءت الفرصة وجدته، فاستغلها وسار بها إلى ما يريد.

وباستعمال عبد الملك بن مروان للحجاج في شرطته، انتظمت أحوال دمشق، وأصبح الناس فيها رهن إشارته، وهنا أدرك عبد الملك بن مروان أنه قد عثر على ضالته التي افتقدها كثيرا.

القضاء على حركة ابن الزبير:

لما اثبت الحجاج كفاءته في شرطة دمشق، عرضه الخليفة الأموي "عبد الملك بن مروان" لأحد أصعب وأهم اختبارات حياته، بل واختبارات الدولة الأموية ككيان.

فعبد الله بن الزبير كان في الحجاز وحركته تسيطر على مكة المكرمة، أهم بقاع الإسلام والمسلمين، وتشكل خطرا قد يتطاول فيطيح بالأمويين من على عروشهم.

تحرك الجيش الأموي بقيادة الحجاج الذي استطاع أن يحاصر عبد الله بن الزبير في مكة، ويقيم حولها "المنجنيق"، الأمر الذي أثار أحد أكثر النقاط التي يدور حولها الجدل في حياة الحجاج إلى يومنا هذا.

فبحسب الكثير من الروايات، أن الحجاج أمر جنود جيشه فضربوا المنجنيق وهو سلاح يشبه المدفعية في عصرنا الحديث حتى أصابت الكعبة المشرفة ذاتها، وذهبت روايات متطرفة أن الحجاج أمر باستمرار الضرب حتى مع إصابة بيت الله الحرام.

ومع هذا، فهناك روايات أخرى، تنفي نفيا قاطعا أن يكون الحجاج بن يوسف أو جيشه قد ضربوا الكعبة أو اصابوها خطأ، وأن كل ما حدث كان ضرب ما تبقي من جنود وأتباع عبد اللّه بن الزبير.

يقول شيخ الإسلام بن تيمية: "ومن قال إن أحدًا من خلق الله قصد رمي الكعبة بمنجنيق أو عذرة، فقد كذب، فإن هذا لم يكن في الجاهلية ولا في الإسلام، والذين لا يحترمون الكعبة كأصحاب الفيل والقرامطة لم يفعلوا هذا، فكيف بالمسلمين الذين يعظمون الكعبة!! ولما قُتل ابن الزبير، دخلوا بعد هذا إلى المسجد الحرام، فطافوا بالكعبة، وحج بالناس الحجاجُ بن يوسف ذلك العام، وأمره عبد الملك بن مروان ألا يخالف عبد الله بن عمر في أمر الحج، فلو كان قصدهم بالكعبة شرًّا، لفعلوا ذلك بعد".

الحجاج متهم عند البعض بأنه ضرب الكعبة المشرفة بالمنجنيق.

على أي حال، فإن ضرب مكة نفسها بالمنجنيق، أمر يصعب على نفس وقلب أي مسلم أن يتقبله، ثم إن الحجاج قد ثبت عنه شيئا آخر في حربه ضد ابن الزبير، مما تنزعج له النفوس والضمائر.

فعقب انهيار جيش عبد اللّه بن الزبير، ودخول الحجاج الثقفي وجنده لمكة، عقب حصارها مدة خمسة شهور وسبعة عشر يوما، ومقتل ابن الزبير نفسه، قطعت رأسه، وأرسلها إلى الخليفة عبد الملك بن مروان.

ولم يكتفي الحجاج بهذا، بل صلب جثة عبد اللّه بن الزبير، وهو من هو، ابن اسماء بنت ابي بكر، وجده صاحب رسول اللّه ﷺ أبو بكر الصديق، وخالته ام المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، ولكن قد قتل الأمويين الحسين، وانتهكوا دمه المتصل برسول الله ﷺ، فما من دم بعده يشفع لصاحبه عندهم إذا ما طلب ما في أيديهم من الخلافة.

وظل ابن الزبير مصلوبا بدنا مقطوع الرأس، حتى مر به عبد الله بن عمر فقال : رحمة الله عليك يا أبا خبيب ، أما والله لقد كنت صواما قواما.

ثم قال للناس: أما آن لهذا الراكب أن ينزل ؟ فبعث الحجاج فأرسل من أنزله ودفنه الناس.

كان انتصار الحجاج على ابن الزبير، رافعا لأسهمه بشدة عند الخليفة عبد الملك بن مروان، خصوصا ثباته وتشجيعه الجند الذين كانت ترتعد فرائصهم من فكرة ضرب مكة بالمنجنيق وقتال مسلمين مثلهم، ومن يقرأ عن هذه المواقف التي ضربت فيها الصواعق جيشه بل والمنجنيق نفسه، وإصراره على إكمال الهجوم وتشجيع الجنود، يعلم جيدا أنه لو كان قائدا غير الحجاج ما أكمل تلك المهمة.

ومكافأة له على هذا الانتصار الكبير الذي أدخل الحجاز مجددا في حوزة الدولة الأموية، ولاه عبد الملك بن مروان ولاية الحجاز واليمن واليمامة.

وكما أثبت كفاءته في الحرب، أثبت الحجاج كفاءته كوالي، إذ نشر الأمن في ربوع ولايته، وكسا الكعبة بالديباج ونظم أمور الحكم والإدارة.

الحجاج خطيبا:

كعربي كان للحجاج بالفطرة جعبة لغوية كبيرة، زادتها سنوات دراسته للقرآن الكريم والسنة النبوية، واختلاطه بقبائل العرب، فصنعت منه خطيبا مفوها.

أحد أبرع الملاحظات في سيرة الحجاج، هي تلك الملاحظة التي التقطها بذكاء الأستاذ في الجامعة اللبنانية، الدكتور على نجيب عطوي في كتابه "الحجاج بن يوسف الثقفي .. حاكما فذا وخطيبا لامعا" الصادر في بيروت، عام ١٩٩٣، عن دار الكتب العلمية.

فبرغم ما قاله أبو عمرو بن العلاء: “ما رأيت أفصح من الحسن البصري، ومن الحجاج”، وبرغم أن خطب الحجاج نفسها تشهد لها بقريحة لغوية مذهلة.

برغم هذا وذاك، فقد ذهب معظم من تعرض لسيرة الحجاج إلى استعماله المفرط للسيف وللقوة العسكرية عامة، وهم حين فعلوا ذلك تناسوا سلاح الخطابة، لقد كان الحجاج خطيبا مفوها في عصر كانت الخطابة فيه أحد أهم وسائل الإعلام.

والأمويين الذين وصلوا للخلافة بالسيف، احتاجوا لوسائل إعلام خاصة بهم، تمهد لهم حينا، وتبرر لهم أحيانا، وكان الحجاج بوقا أمويا لا يشق له غبار.

ولقد برز سلاح الخطابة لدي الحجاج في أكثر من مرة ومكان، لكن ما حدث في العراق كان مذهلا .. مذهلا بحق.

ولاية الحجاج على العراق:

في سنة ٧٥ ه‍، ولاه عبد الملك بن مروان ولاية العراق، على كثرة مشاكلها واضطراب أحوالها.

فعبد الملك، رأي أن الحجاج بن يوسف الثقفي هو أصلح رجاله لمعالجة أمر العراق واضطراب أحوالها، خصوصا بعدما ظهر منه في حملة الحجاز ضد عبد اللّه بن الزبير، علاوة على ورود الشكاوى من أن يترك الحجاج في الحجاز حيث بقية من الصحابة والتابعين، ومعاملته لبعضهم بسوء وغلظة لا تليق بهم، ولا تليق بالمكان المقدس ذاته ، فأراد الخليفة أن يضرب عصفورين بحجر واحد.

كان دخول الحجاج بن يوسف للكوفة، مثالا عمليا على ذكاءه الشديد، وحسن تعامله مع الأمور، وتوضيحا لكيفية استخدام سلاح الخطابة فقط في السيطرة على الكوفة يومها.

بلسان فصيح ولغة قوية خضعت العراق كله لرجل اسمه الحجاج لم يكن معه يوم دخلها إلا اثنا عشر رجلا. 

ولعل مما قد يدهشك عزيزي القارئ، أن الحجاج دخل الكوفة مع اثني عشر شخص من اتباعه لا غير، وذهب لمسجد المدينة صاعدا المنبر، وأمر أصحابه بأن يجمعوا له الناس.

فتخيلوا والي ليس معه جيشا ولا شرطة ولا حرسا، مجرد ١٢ رجل، ويدخل بهم في أعمق أعماق الدولة خطرا، لكن هذا لم يكن إلا فكرا من الحجاج، بإظهار أنه لا يخشي أحدا، ولا يهمه كل ما يقال عن العراق وأهله، وقد نجحت تلك الحيلة التي إنما هي خير معبر عن مدى فطنة هذا الرجل.

لقد كانت الكوفة خصوصا والعراق عموما هي المكان الذي وعد أهله الحسين بالنصرة، فلما خذلوه قتله الأمويين في كربلاء، وكان أهلها أنفسهم هم من ندموا على ذلك وقاموا يطلبون بدم الحسين بعد ذلك، وخرج من بينهم (المختار بن أبي عبيد) الذي قتل قتلة الحسين، ثم دعا بالخلافة لأخو الحسين لأبيه الإمام علي (محمد ابن الحنفية).

ثم يرسل ابن الزبير قبل موته أخيه مصعب فيهزم المختار هذا وتدين له العراق، ويتلو ذلك جيشا من الأمويين يغزوها سنة ٧١ ه‍، فتعود العراق لحكم الأمويين.

فما بالنا بالحجاج يدخل هذه الأرض ومعه اثنا عشر رجلا لا غير !!!.

والحقيقة أن أهل الكوفة كادوا أن يستهزئون به لأنه ظل صامتا بعض الوقت بعد تجمعهم، حتى أن أحدهم أمسك بحصي من أرض المسجد ليقذفه بها، إلا أن الحجاج عاجلهم بخطبته التي يحق أن تدرس في كتب تعليم البلاغة والأدب، والتي بدأها بقول الشاعر: ((أنا ابن جلا وطلاع الثنايا : متى أضع العمامة تعرفوني)). وابن جلا تعني الرجل المشهور، وطلاع الثنايا تعني أنه يعرف بواطن الأمور ودقائق أحوال الناس.

وتابع الحجاج خطبته التي جعلت أهل الكوفة يصمتون فلا يتحدث منهم أحدا، وهذا الذي كان يمسك بالحصي يتساقط من بين يديه خوفا، فقال: ((يا أهل الكوفة إني لأرى أرؤسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها، وإن أمير المؤمنين –أطال الله بقاءه- نثر كِنانته (جعبة السهام) بين يديه، فعجم عيدانها (اختبرها)، فوجدني أمرّها عودا، وأصلبها مكْسِرًا فرماكم بي؛ لأنكم طالما أوضعتم في الفتنة، واضطجعتم في مراقد الضلالة)).

وانطلق الحجاج يخيرهم بين العصا والجزرة، فأضاف: ((وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم، وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلّب بن أبي صفرة، وإني أقسم بالله لا أجد رجلا تخلّف بعد أخذ عطائه ثلاثة أيام إلا ضربت عنقه)).

حكم الحجاج العراق واليا عليها عشرين عاما.

ثم أمر الغلام الذي معه أن يقرأ رسالة أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان لأهل الكوفة، فلما قرأها حتى السلام الذي تفتتح به الرسائل، فلم يرد أحدا السلام، هنا أوقفه الحجاج وهو يقول غاضبا: ((يسلم عليكم أمير المؤمنين فلا تردون السلام .. والله لأودبنكم أدبا غير هذا)).. فما قال هذا حتى رد كل من في المسجد السلام.

وقد كان أول من قتله الحجاج يومها من أهل الكوفة رجلا أخبره بعض الناس أنه قد دخل على أمير المؤمنين (عثمان بن عفان) رضي الله عنه بعد مقتله، فضربه فكسر ضلعين له، فأمر به الحجاج فضربت عنقه.

بهذا الموقف في الكوفة، أسس الحجاج لنفسه حكم العراق بإنضباط وسيطرة على كل كبيرة وصغيرة فيه لعشرين عاما، ساس العراق فيها بالحزم والشدة، دون أن يسمح بأدنى مخالفة له أو إبداء لأي رأي معارض.

ولعل أبرز ما يدل على أسلوب الحجاج في الحكم عموما، هو ما ورد عن عاصم بن أبي النجود والأعمش أنهما سمعا الحجاج يقول للناس: "والله ولو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا الباب لحلت لي دماؤكم".

بث الشقاق في البيت الأموي:

عاش الحجاج بن يوسف الثقفي واليا مطيعا للأمويين طوال عمره، لكن من نفس هذا البيت خرج رجلا كان شديد الكراهية للحجاج، وكيف لا، وكل منهما نقيض للآخر في كل شيء.

والحديث هنا عن (عمر بن عبد العزيز)، والذي حاول الحجاج بن يوسف أن يغري به ابن عمه الخليفة (الوليد بن عبد الملك)، ويوهمه بأنه يجمع في ولايته (كان عمر بن عبد العزيز واليا على الحجاز) كل الخارجين على الدولة، وأنه سيخرج بهم ذات يوما ليشق عصا الطاعة على زوج اخته (كان الوليد زوجا لأخت عمر بن عبد العزيز، كما كان عمر زوجا لفاطمة بنت عبد الملك أخت الخليفة الوليد).

وعلى الجانب الآخر، عمر بن عبد العزيز، يحذر الخليفة من الحجاج، ومن عاقبه ظلمه لأهل العراق، ويذكره بأنه مسؤول عن أفعاله باعتباره الخليفة، ولا ينكر أن الكثير من أهل العراق قد تركوها وجاءوا للمدينة إليه، هربا من بطش الحجاج وظلمه. ثم يرفض عمر بن عبد العزيز أن يستقبل الحجاج بن يوسف في أحد الأعوام وقد قدم ومعه لواء الحج.

في النهاية سيميل الوليد إلي رأي الحجاج، ويعزل عمر بن عبد العزيز، الذي انتقل إلي حيث أقام في السويداء قرب دمشق، وهكذا فإن كل حاكم له بطانة خير وبطانة شر، وهو من يختار إلى أي جانب من بطانته يميل.

من أعمال الحجاج بن يوسف:

وكما كان رجل حرب وقتال، كان الثقفي رجل دولة وحكم بارع.

ومن أعمال الحجاج بن يوسف الثقفي الطيبة التي لا تنكر له أنه كان صاحب اقتراح وضع نقاط فوق حروف المصحف الشريف لما لاحظه من اضطراب قراءته خصوصا لدي المسلمين الجدد من الشعوب التي دخلها الإسلام، فخشى أن تتبدل القراءة الصحيحة للقرآن الكريم، وتولي هذه المهمة ((نصر بن عاصم)).

كما اهتم الحجاج بحفر الترع وبناء الجسور، وحفر الآبار في المناطق الجافة، وتأمين الطرق والمسالك للناس.

وعرف عن الحجاج الاهتمام بحفظة كتاب الله، وإعطائهم الكثير من العطايا، إلى حد أن قيل أن الحجاج ولكثرة عطاءه، وبرغم كل ما كان تحت يديه من أرض يحكمها ونفوذا يستعمله، لم يترك لورثته إلا ٣٠٠ درهم فقط.

وفي عهده سارت الجيوش، فتحت قيادة ابن عمه (محمد بن القاسم الثقفي) فتحت السند وهي باكستان حاليا، كما وصل قائده (قتيبة بن مسلم) إلى حدود الصين.

وقد ركز الحجاج في هذه الجيوش على أن تتشكل معظمها من أهل العراق، ليصرفهم إلى القتال والفتوحات لا إلى إثارة القلاقل والاضطرابات، فوجه قوتهم التي لا تهمد إلى ميدان أهم.

مالي وسعيد بن جبير:

كان سعيد بن جبير تابعيا جليلا، تعلم العلم من أصوله الصافية، وعرف عنه قول الحق والشجاعة.

فلما كبر على نفسه ما عرفه من كثرة القتل وسفك الدماء على يد الحجاج، خرج عليه تحت راية "عبد الرحمن بن الأشعث"، لكن جيش الأشعث هزم على يد الحجاج، فلجأ سعيد بن جبير إلى مكة المكرمة حيث مكث فيها عشر سنين، إلى يوم موعود وجده فيه جند الحجاج فاقتادوه إليه.

وأمام الحجاج بن يوسف الثقفي، ومن حوله جنوده وسيوفهم، ومن قبله رعب بثه في صدور الناس، وقف سعيد بن جبير ودارت بينه وبين الحجاج محاورة جمع فيها ابن جبير بين البلاغة والثبات على قول الحق معا.

مات الحجاج وقد بلغ من العمر بضع وخمسين سنة، فلم يكن طاعنا في السن، ولا مريضا قبل مرض موته.

وكما تتوقعون جميعا، انتهي أمر هذا العالم الجليل بأمر الحجاج بقتله، لكن سعيد بن جبير وقبل موته دعا عليه فقال: ((اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي)).

ويبدو أن دعاء سعيد بن جبير الأخير كان سريع الاستجابة، فما مر إلا خمسة عشر يوما حتى إصيب الحجاج بن يوسف بالحمى، فكان يغفو ساعة ثم يفيق ويقول: هذا سعيد بن جبير، يقول: فيمَ قتلتني؟ ثم يبكي، ويقول: مالي ولسعيد بن جبير، رُدّوا عني سعيد بن جبير.

ولم يلبث الحجاج طويلا في مرضه الأخير حتى مات، لا لتنتهي قصته، بل ليكون مثار جدل تاريخي، عن تقييمه الصحيح، والحكم السديد فيه، وكل يحكم على ليلاه، فمن كان همه انتظام أحوال الدولة رأي فيه واليا لا مثيل له، ومن كان همه الحرية والعدل أولا قبل كل شيء، رأي فيه قاتلا استباح دماء المسلمين ولم يراعي لأحد مكانة أو سبق فضل أو علم، وعلى مسار الحجاج ثار الكثيرون من حكام هذه الأمة في طول تاريخها وعرضه.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -