زدني معرفة

حادثة الرحلة بان أم ١٠٣ .. عندما وقعت الكارثة فوق لوكربي

٢١ كانون الأول / ديسمبر ١٩٨٨، الساعة ٧،٠٣ مساء بتوقيت غرينتش، طائرة ركاب الرحلة بان أم ١٠٣ "103 PA" تنفجر في سماء لوكربي، ما يسفر عن مقتل ٢٧٠ شخصاً أغلبهم أمريكيون.

مقدمة طائرة الرحلة بان أم ١٠٣ بعد سقوطها فوق لوكربي جراء تفجيرها Air Accident Investigation Branch, licensed under the United Kingdom Open Government Licence v2.0.

ستسفر حادثة انفجار الطائرة طراز بوينغ-٧٤٧ والتي ستعرف أيضا باسم "تفجير لوكربي"، عقب ٣٨ دقيقة فقط من إقلاعها، عن أزمات متتالية تحيط بنظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي.

كارثة الرحلة بان أم ١٠٣:

لم يكن هناك أي أمل للنجاة، إنفجار هشم طائرة الرحلة الرحلة بان أم ١٠٣، على ارتفاع ٣١ ألف قدم (٩٥٠٠ متر) فوق بلدة لوكربي الواقعة في مدينة دمفريز وغالواي الأسكتلندية غربي إنجلترا.

كانت الطائرة التابعة لخطوط بان امريكان العالمية (Pan Am) قد أقلعت في تمام الساعة ٦،٢٥ مساء تلك الليلة من مطار "هيثرو" في العاصمة البريطانية لندن، متجهة شمالا لتتأخذ مسارها فوق المحيط الأطلسي، نحو وجهتها إلي مطار جون إف كينيدي في مدينة نيويورك الأمريكية، وعلى متنها ٢٥٩ شخص من المسافرين والطاقم، من بينهم ١٩٠ أمريكي.

لن يعود أيا من هؤلاء إلي منازلهم من جديد، كما سيسفر سقوط حطام الطائرة على بلدة لوكربي، عن وفاة ١١ شخص آخر من سكان البلدة، ليكون إجمالي ضحايا كارثة الرحلة بان أم ١٠٣ (٢٧٠ شخص من ٢١ دولة).

كما سقطت الطائرة على سكان لوكربي الآمنين من السماء دون سابق إنذار، أو لنقل بدقة، لقد انفجرت في السماء أولا، سمعوا صوتها المدوى، ومن ثم هوت فوق منازلهم حطاما، بعدما نثر الانفجار والرياح جثث ركابها على أرض بلدتهم.

قدرت عدد المنازل التي دمرت يومها بفعل سقوط طائرة الرحلة بان أم ١٠٣ بنحو ٢١ منزلا.

وجاءت جنسيات الضحايا كما يلي:

  • الولايات المتحدة الأمريكية: ١٩٠ ضحية.
  • بريطانيا: ٣٢ ضحية.
  • اسكتلندا: ١١ ضحية.
  • فرنسا: ٦ ضحايا.
  • الهند: ٥ ضحايا.
  • أيرلندا: ٥ ضحايا.
  • ألمانيا: ٥ ضحايا.
  • المجر: ٤ ضحايا.
  • السويد: ٣ ضحايا.
  • الأرجنتين وكندا والفلبين وإيطاليا: ضحيتين من كل دولة.
  • إسرائيل وسويسرا وأستراليا وغويانا وجنوب أفريقيا وترينداد واليابان وإيران ورومانيا وبولندا وإسبانيا وفنلندا والدومينكان وبلجيكا: ضحية واحدة من كل دولة.

قنبلة في الجو:

مجسم بالحجم الطبيعي تم تصنيعه خصيصا لاستخدامه في محاكمة المتهمين في قضية تفجير الطائرة الأمريكية بان أم الرحلة ١٠٣ فوق لوكربي، لإظهار مكان القنبلة وكيف تم إدخالها إلي الطائرة، FBI.

لم يكن انفجار طائرة الرحلة بان أم ١٠٣ فوق لوكربي حوالى الساعة السابعة من مساء ٢١ ديسمبر ١٩٨٨، ناتجا عن مشكلة فنية أو أيا من الأعطال التي قد تصيب الطائرات.

لقد اختفت بان أم الرحلة ١٠٣ عن شاشات الرادار فجأة وبدون سابق إنذار، ولم يصدر عن الطاقم أي نداءات استغاثة، لقد حدث كل شيء في صمت تام في غرف مراقبة حركة الطيران، لكن فوق لوكربي كان الصوت مخيفا بل مرعبا.

ولم يتأخر المحققين البريطانيين الذين شرعوا فورا في التحقيقات، عن اكتشاف أن قنبلة مزودة بجهاز توقيت كانت مخبأة داخل مشغل كاسيت، كان موضوعا داخل حقيبة سامسونايت بنية اللون في منطقة الشحن في الطائرة، وبالتحديد في عنبر الشحن الأمامي، انفجرت عندما كانت تحلق على ارتفاع ٣١٠٠٠ قدم، كان ذلك في ٢٨ ديسمبر ١٩٨٨، أي بعد الكارثة بأسبوع واحد فقط.

كان ذلك الاكتشاف خطيرا للغاية، وكفيلا في الوقت نفسه لاعتبار الحادثة "عملا إرهابيا"، وأصبح العالم أمام أحد أكثر حوادث الطيران المدني مأساوية.

لقد ظلت حادثة لوكربي هي أكبر هجوم إرهابي استهدف أمريكيين قبل ١١ سبتمبر، ولا تزال حتى يومنا هذا هي الحادثة الأكثر دموية في تاريخ المملكة المتحدة.

التحقيق في كارثة الرحلة بان أم ١٠٣:

كان التحقيق في كارثة الرحلة بان أم ١٠٣، كبيرا ومعقدا بشكل مذهل، تطلب تعاون دولي غير مسبوق.

فبصورة مبدأية أدى الانفجار على ارتفاع ٣٠ ألف قدم، إلى هطول أشلاء وشظايا وقطع الطائرة على مساحة تزيد عن ٨٤٥ ميلًا مربعًا (٢٢٠٠ كيلو متر مربع)، مما قاد إلى إنشاء أكبر مسرح جريمة على الإطلاق.

كما خلف الجزء الرئيسي من حطام الطائرة بوينغ-٧٤٧ ، حفرة ضخمة بلغت مساحتها ٥٦٠ متر مكعب.

فرق الإنقاذ بين حطام الطائرة وحطام بيوت لوكربي، Syracuse University Libraries.

تطلب ذلك، قيام أكثر من ٥٠٠٠ محقق ورجل أمن، بمن فيهم محققون من مكتب التحقيقات الفيدرالي، ومن السلطات الاسكتلندية ، بتمشيط الريف الاسكتلندي في لوكربي وما حولها، بحثًا عن أدلة.

كما جمع المحققين ٣١٩ طناً من حطام الطائرة، وآلاف الأدلة، وخلال السنوات التالية للكارثة، جاب المحققون العالم ، وأجروا مقابلات مع أكثر من ١٠ آلاف شخص في ١٦ دولة.

خلال التحقيق، تم التوصل إلي المادة المتفجرة التي صنعت منها القنبلة، لقد كانت مادة تسمي Semtex.

وبحسب قاموس جامعة كامبريدج البريطانية، فإن مادة سيمتكس Semtex تعتبر مادة بلاستيكية متفجرة عديمة الرائحة ما يجعل مهمة كشفها مستحيلة على الأقل بالنسبة للكلاب البوليسية، إنها واحدة من المواد المتفجرة القوية التي تستخدمها العصابات والتنظيمات غير القانونية لصنع القنابل.

كما اكتشف المحققون أيضا أن الحقيبة التي احتوت على القنبلة وضعت على متن الطائرة خلال وجودها في مطار فرانكفورت، بألمانيا، وهو المطار الذي كانت تقف فيه لبعض الوقت قبل إنطلاقها إلي هيثرو.

المتهم معمر القذافي:

في وقت قصير من انقشاع الدخان من لوكربي، كانت العديد من التحليلات الغربية وقتها تتهم نظام العقيد معمر القذافي بالوقوف خلف التفجير.

في ذلك الوقت، اتهمت ليبيا بأن الهجوم كان انتقاميا على الغارات الجوية الأمريكية التي طالتها عام ١٩٨٦، غارات قتل فيها العشرات من المواطنين الليبيين الأبرياء في بنغازي وطرابلس، دمرت العديد من طائرات سلاح الجو الليبي، كما قال القذافي نفسه وقتها أن ابنته بالتبني (هناء) وكان عمرها حينذاك ١٨ شهر قد ماتت جراء القصف.

سبب آخر قيل وقتها أنه حرك القذافي للانتقام، وهو حادثة إسقاط المقاتلات الأمريكية رحلة طيران مدنية تابعة لشركة إيران للطيران فوق الخليج، مما أسفر عن مقتل ٢٩٠ شخصًا، واعتذرت أمريكا وقتها بأن الحادثة وقعت عن طريق الخطأ.

تم اتهام نظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي بالوقوف وراء تفجير الطائرة بان أم الرحلة ١٠٣ فوق لوكربي، This image is a courtesy of Tanja Kragujević, Stevan Kragujević's daughter, permission، (CC BY-SA 3.0)، via wikimedia commons.

لكننا لو تتبعنا خيط الاتهامات من بدايته، لوجدنا أن صحيفة واشنطن بوست الأمريكية الشهيرة كانت قد نشرت في ١١ مايو ١٩٨٩ تقريرا قالت فيه أن تقييم وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA، لتفجير رحلة بان أمريكان ١٠٣ قد خلص إلى أن إيران استأجرت فصيل فلسطيني مقره دمشق لتنفيذ العملية.

استمرت التحقيقات لنحو عامين حتى أصدرت السلطات الأمريكية والأسكتلندية في نوفمبر / تشرين الثاني ١٩٩١، لوائح اتهام رسمية بحق عميلي المخابرات الليبية عبد الباسط علي المقرحي، والأمين خليفة فحيمة.

في كتابه (مذكرات عبد السلام أحمد جلمود ، الملحمة)، من منشورات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، بيروت، لبنان، يناير ٢٠٢٢، يقول عبد السلام جلمود، وهو أحد من شاركوا في ثورة الفاتح من سبتمبر التي قادها القذافي وأطاحوا بالحكم الملكي فيها، كما شغل منصب رئيس الوزراء في عهد القذافي أيضا. يقول أن حالة من الخوف والهلع ضربت القيادات الليبية بعد فترة من حادثة لوكربي.

فسرعان ما أشارت أصابع الاتهام إلي نظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، وبدأ فصل جديد من فصول القصة دفع ثمنه الشعب الليبي كله.

ويضيف جلمود (وهذه الرواية على عهدته ويتحدث فيها عن فترة صدور أول قرار من مجلس الأمن الدولي بشأن لوكربي وحمل رقم ٧٣١ وذلك في العام ١٩٩٢)، أن العقيد القذافي اعتبر أن كل شيء قد انتهي وأن المسألة مسألة وقت.

في تلك الفترة، يناير ١٩٩٢، نجد عبد السلام جلمود، والذي حاول إبعاد نفسه عن مسؤولية أي خطأ حدث في عهد القذافي، يخبرنا بأن أذهان القيادات الليبية كانت مصابة بمتلازمة الخوف من تكرار ما حدث للعراق قبل شهور فقط من هزيمة عسكرية قاصمة، أجبرته على التخلى عن الكويت التي كان قد احتلها مطلع أغسطس ١٩٩٠.

وبمراجعة قرار مجلس الأمن رقم ٧٣١ وذلك في العام ١٩٩٢، نجد أنه صدر بالإجماع ليعرب عن قلقه من نتائج التحقيقات في تدمير الطائرة بان أم (الرحلة ١٠٣ ، فوق لوكربي ، اسكتلندا)، وطائرة يو تي إيه (الرحلة ٧٧٢، فوق تشاد والنيجر)، التي تورط فيها مسؤولين من حكومة ليبيا، كما أدان القرار رفض الحكومة الليبية قبول تحمل مسؤولية هذه الأحداث، وحثها على تقديم ردود كاملة عن تلك الاتهامات.

ونعود إلي عميلي المخابرات الليبية، اللذان سلمهما نظام القذافي جراء الضغوط الدولية عليه إلي المحاكمة، إذ تم فرض منطقة حظر طيران فوق ليبيا، علاوة على عقوبات اقتصادية شديدة الوطأة.

النصب التذكاري لضحايا حادث تفجير الطائرة بان أم الرحلة ١٠٣، في لوكربي، إسكتلندا، Mike McBey، (CC BY 2.0)، via wikimedia commons.

وبالفعل أسفرت تلك العقوبات عن التوصل إلى الإتفاق على محاكمتهما أمام محكمة إسكتلندية خاصة أقيمت في هولندا، وبالتحديد في مكان كان مخصص لقاعدة عسكرية أمريكية سابقة هناك.

شمل الاتفاق كذلك قيام الحكومة الليبية دفع تعويضات مالية ضخمة لأسر وعائلات الضحايا.

ففي ٣١ يناير/كانون الثاني ٢٠٠١، أدين عبد الباسط علي المقرحي بجميع التهم المنسوبة إليه، في حين تمت تبرئة فحيمة. 

وقد صدرت بحق المقرحي عقوبة إلزامية بالسجن مدى الحياة. لكن وفي أغسطس/آب ٢٠٠٩، أُطلق سراحه من السجن لأسباب إنسانية بعد تشخيص إصابته بسرطان مزمن.

توفي المقرحي في منزله في ليبيا في مايو/أيار من العام ٢٠١٢.

القضية لم تغلق بعد:

حتى يومنا هذا، فإن قضية تفجير الطائرة التابعة لخطوط “بان آم” الرحلة رقم ١٠٣ لم تغلق بشكل كامل.

حتى الآن (تاريخ كتابة هذا التقرير الثلاثاء ٢٤ مايو ٢٠٢٢، أي بعد نحو ٣٤ عاما من الكارثة)، لا يزال برنامج "مكافآت من أجل العدالة" RFJ، وهو برنامج الأمن القومي التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، يعرض مكافأة تصل إلي ٥ مليون دولار أمريكي لمن يدلي بمعلومات عن أحد عناصر المخابرات الليبية السابقين، الذين تتهمهم وزارة العدل الأمريكية بضلوعهم في التفجير. 

المدعي العام الأمريكي وليام بار، قال في مؤتمر صحفي عقده في ديسمبر ٢٠٢٠ "لن يمنع مرور أي قدر من الوقت أو المسافة الولايات المتحدة وشركائنا الاسكتلنديين من السعي لتحقيق العدالة في هذه القضية". معربا عن أمله في أن تساهم ليبيا في تسليم المتهم الجديد إلي الولايات المتحدة.

كما زعم المدعي العام الأمريكي أن مسعود متورط في تفجير عام ١٩٨٦ لمبنى لابيل ديسكوتيك في برلين الغربية بألمانيا قبل توحيدها والذي أسفر عن مقتل اثنين من أفراد الخدمة الأمريكية العسكرية هناك.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -