زدني معرفة

بين بيروت وحيفا .. كيف يحمي القاضي أمته ؟

بين بيروت وحيفا ... كيف يحمي القاضي أمته؟.

في الرابع من آب / أغسطس من العام 2020، كانت العاصمة اللبنانية بيروت علي موعد مع انفجار مريع، هزها هزا عنيفا، عندما انفجر مخزون ضخم من مادة "نترات الأمونيوم" كان متروكا في المرفأ.

أحد أفراد فريق البحث والإنقاذ الفرنسي في مرفأ بيروت بلبنان، وصلت إلي المرفأ العديد من فرق الدفاع المدني والبحث والإنقاذ من عدة دول حول العالم، عقب الانفجار المريع مطلع أغسطس 2020، EU Civil Protection and Humanitarian Aid، (CC BY-NC-ND 2.0)، via Flickr.

حوالي 200 قتيل، الآلاف من الجرحى، وخسائر مادية بمليارات الدولارات، حطام في كل مكان، شكلوا معا صورة قاتمة لكارثة بكل معني الكلمة، وسط حالة رعب وذعر عاشها اللبنانيين جميعهم وليس سكان بيروت فحسب وهم يشاهدون ما حدث بعاصمتهم علي شاشات التلفاز، أو يقفزون مختبئين أسفل كراسي منازلهم خوفا من شظايا الزجاج المتطاير في كل الأرجاء.

عندما شاهدت ما حدث، قفز إلي ذهني حكما كنت قد اطلعت عليه منذ سنوات عندما أصدرته "المحكمة العليا الإسرائيلية" وبالتحديد في الثلاثين من مارس عام 2017، بإفراغ خزان لتخزين عاز الأمونيا في مدينة "حيفا" الساحلية. فبين بيروت وحيفا كم من المتشابهات والاختلافات؟ وكيف حمي قاضي أمته عندما تشابهت الظروف؟.


فوضى في بيروت:


في معجون غريب ومدهش من الإهمال والبيروقراطية وطوال ست سنوات، تشكلت كل خيوط الانفجار الكبير، ففي صيف عام 2014 رست سفينة شحن تسمي "روسوس" علي أحد أرصفة ميناء بيروت وعلي ظهرها ثلاثة آلاف طن من "نترات الأمونيوم" عالي الكثافة.

كان من المقرر لتلك السفينة أن تكون رحلتها اعتيادية كباقي السفن التي ترسو في الميناء، إذ كانت في طريقها لتسليم شحنتها في موزمبيق.

حتى هذه اللحظة لم يكن هناك مشاكل تطفو علي السطح، لكن وفي أعماق القصة كان مالك السفينة يبحث عن مال يكفي لدفع رواتب القبطان والبحارة وإكمال الرحلة ... وظل الوقت يمضي عليها وهي راسية في بيروت، وكان ذلك يعني ببساطة المزيد من المال المستحق لسلطات مرفأ العاصمة اللبنانية مقابل رسو السفينة بالمرفأ، وهكذا رفضت سلطات المرفأ مغادرة السفينة إلا بعد سداد هذه الرسوم، بل أضافوا علي هذا احتجاز القبطان ومعه عدد من المهندسين.

في أيلول/ سبتمبر من نفس العام 2014، صدر قرار محكمة لبنانية بالإفراج عن البحارة، لكن مع بقاء السفينة وما عليها من حمولة ضمانا لحق المرفأ.

وفقا لتسلسل الأحداث هذا، كان علي السلطات اللبنانية اتخاذ الخطوة التالية، وهي ببساطة إزالة خطر وجود نترات الأمونيوم علي متن سفينة ترسو في أهم ميناء في الدولة، بإنزال الحمولة من عليها وبيعها في مزاد علني إلي المصانع الخاصة التي تستخدمها في تصنيع منتجاتها، أو حتى التخلص منها بشكل سليم وفقا للإجراءات المتبعة عند التخلص من مثل هذه المواد، بل كان يمكن للسلطات اللبنانية حتى أن توزع هذه المادة ولو بسعر قليل على الفلاحين، فنترات الأمونيوم أحد أشهر المركبات المستخدمة في الزراعة.

لكن شيئا من كل هذه الحلول وغيرها لم يحدث، فرغم أن مسئولي المرفأ حسب عديد الوثائق التي أميط اللثام عنها عقب حصول الانفجار، كانوا قد قدموا أكثر من خمس طلبات إلي "قاضي الأمور المستعجلة" في بيروت للحصول علي إذن قضائي إما بإعادة تصدير نترات الأمونيوم أو بيعها، لكن القاضي لم يأذن لهم أبدا وفقا لرواياتهم.

علي الجانب الآخر من النهر، فهناك رواية وقصة أخرى مفادها أن قاضي الأمور المستعجلة قد أصدر قرارا ولكنه مشروط بأن يتم التخزين في مكان مناسب مع الحرص علي اتخاذ "كامل إجراءات السلامة".

وبعيدا عن أيا رواية هي الرواية الصادقة بين الروايتين، فإن النتيجة كانت واحدة، ومعروفة، وحتى لو كان القاضي اللبناني قد أصدر قراره بتخزين آمن بالفعل، فإن السلطات المختصة لم تهتم بتنفيذ قرار المحكمة، ولم تعمل علي إنفاذ القانون الذي يلزمها بتنفيذ أحكام المحاكم، وهنا بالتحديد الفارق بين ما حدث في إسرائيل وما حدث في لبنان، فعندما تحترم الدولة قضائها فإنها تبعد عن نفسها الأذى والشرور، وتصبح بحق دولة قانون، وأما عندما يغيب قضائها أصلا، أو لا تنفذ أحكامه حين تصدر، فإن الدولة تورد نفسها موارد التهلكة.


خزان حيفا:


هناك في حيفا، بفلسطين المحتلة، فإن الأمر مختلف تماما، بداية من وجود خزان كامل لتخزين غاز الأمونيا وليس مجرد شحنة علي ظهر سفينة.

شعار شركة حيفا للكيماويات المحدودة، واحدة من كبريات الشركات الصناعية في إسرائيل منذ عقود، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons. 

هذا الخزان تابع لشركة "حيفا للكيماويات المحدودة" وهي أكبر مستهلك لغاز الأمونيا في إسرائيل، والتي تأسست عام 1966 لتصبح واحدة من الشركات الأشهر عالميا في مجال الأسمدة المتخصصة، وتبيع منتجاتها في أكثر من 100 دولة حول العالم، كما يتبعها عدد من مراكز الأبحاث و 16 شركة فرعية، ووصل عدد موظفيها بضعة آلاف من البشر ولها مصانع في كندا، و فرنسا، و الولايات المتحدة.

المقصود من هذا التوضيح حول الشركة، إظهار أننا أمام عملاق اقتصادي ومؤثر في الاقتصاد الإسرائيلي، وتصل سعة الخزان الذي يمتلكه إلي 12 ألف طن (أي أربعة أمثال كمية الشحنة التي انفجرت في ميناء بيروت)، رغم كل هذه الحقائق إلا أن مجرد تقرير صادر عن بلدية حيفا أثار مخاوف من أن أي دمار مفاجئ لهذا الخزان سيعقبه إطلاق سحابة سامة يمكن أن تتسبب في قتل ما يقدر بـ16 ألف شخص في المدينة الساحلية، كما أشار ذلك التقرير من بلدية حيفا إلي الخطورة الشديدة التي سيمثلها ذلك الخزان إذا ما اندلع أي صراع عسكري بين إسرائيل وبين حزب الله اللبناني، إذ ستكون صواريخ المنظمة اللبنانية قادرة على الوصول إلي حيفا وعلى ضرب الخزان وتفجير غاز الأمونيا المخزن بداخله، وحينها تحدث الكارثة.

تحرك القضاء الإسرائيلي في فبراير من العام 2017، وأصدر قراره بإفراغ هذا الخزان من حمولته، وفورا التزمت وزارة البيئة هناك بحكم المحكمة، وقررت عدم تجديد التراخيص الممنوحة للخزان، ولم يمر سوى أقل من شهرين علي القرار القضائي الأول حتى أيدته "المحكمة العليا الإسرائيلية" في 30 مارس 2017.

مع مطلع شهر أغسطس من نفس العام، وفي غضون نصف عام كان الأمر قد تم حسمه تماما (وهذا ما يسمي بالعدالة الناجزة، إذ أن الحكم العادل لابد أيضا أن يكون سريعا، فتأخر الحقوق يجعل قيمتها تتضاءل بمرور الوقت)، تم غلق الخزان للأبد، رغم كل الضغط الذي تم ممارسته من أصحابه بل وحتى العاملين هناك ويقدرون بالمئات، بل حتى مع تدخل اتحاد العمال الإسرائيلي "الهستدروت"، وخلال الفترة بين عامي 2017 : 2025 سيتم إخراج ليس هذا الخزان بكل ما يتعلق به من حيفا بل كل الصناعات المتعلقة بمادة الأمونيا من جميع المدن الإسرائيلية. وستكون "صحراء النقب" هي الوجهة الأساسية لنقل تلك الأنشطة إليها، بعيدة عن التجمعات السكانية.

يتشابه ذلك الحكم والذي يثبت قدرة القضاء بل وحتى علماء البيئة على عرقلة المشاريع الاقتصادية مهما كان حجمها إن كانت تحمل في طياتها آثارا خطيرة علي حياة البشر وصحتهم، مع إيقاف مشروع خط أنابيب البترول الذي حاولت الإمارات العربية المتحدة إقامته بالتعاون مع إسرائيل عبر ميناء إيلات، وذلك بسبب الخوف من تأثير أي تسرب محتمل على الشعاب المرجانية الموجودة في المنطقة، وهي الشعاب المرجانية الوحيدة على مستوى العالم التي نجت من آثار التغير المناخي، إضافة إلي الخوف من ضرب محطة عسقلان التي كان المشروع يهدف لإيصال خط الأنابيب إليها للتصدير عبر البحر المتوسط.


بين بيروت إلي حيفا:


نكتب دوما عن أهمية القانون، وسيادة القانون، وتنفيذ أحكام القضاء، بل واحترامها حين يتم تنفيذها، والحقيقة أن أي مجتمع لا يمكن أن يتصف بالمدنية والحداثة علاوة علي أنه لا يمكنه حل ومواجهة مشكلاته وتقليل الفساد والاضطرابات فيه إلا عبر سيادة القانون.

بين بيروت عروسنا العربية المثقلة بالآلام وحيفا المحتلة منذ عقود، بينهما مئات الكيلومترات والكثير من المتشابهات، وفوارق كبيرة، لكن أهمها وأبرزها فارق واحد تمثل في سيادة القانون حتى ولو كان القانون في كيان غاصب أصلا غير شرعى الوجود، فما نقوله ليس ثناء عل إسرائيل أو منظومتها القضائية، بل هو محاولة للدرس والفحص والفهم، ولو حتى مما يحدث في إسرائيل، لكي نعلم ونتعلم كيف يحمي القاضي أمته؟ إن كل مصيبة تقع علي أمتنا كالفاجعة يجب أن لا تمر مرور الكرام وأن نظل نتعامل معها بمنطق القضاء والقدر.

فالقضاء والقدر هما حق، لكن القضاء والقدر لا يمنعان أبدا من محاسبة المخطئين، لكن الأهم هو استخراج الدروس المستفادة وتطبيقها. وإلا فإن مثل هذه الفواجع لن تتوقف عن النزول على رؤوس العرب من المحيط إلي الخليج، فقط سيختلف المكان، وستتبدل الأزمنة.

بين بيروت وحيفا ليس فقط إنفاذ القانون، بل الكثير من علامات الاستفهام حول كيفية اختيار القضاة ومواصفاتهم في القرن الحادي والعشرين بكل تحدياته، وهل نضع ذلك في اعتباراتنا عندما نختار القضاة في عالمنا العربي؟. بين بيروت وحيفا كثير من علامات الاستفهام حول إيمان المسئولين التنفيذيين في بلادنا العربية بضرورة بل بوجوب تنفيذهم لأحكام المحاكم، وأن أصغر محكمة في أي بلد يجب أن يلتزم بأحكامها وتطبيقها أي مسئول في أي حكومة.

فما حدث في حيفا أن قاضي يعي بماذا يحكم قد حكم وتم تنفيذ حكمه، وما وقع في بيروت أن الجميع كان يعرف بوجود خطر داهم ولم يتحرك أحد، ولا يوجد أوضح مما وقع بين بيروت وحيفا لنعرف كيف يحمي القاضي أمته؟ فلعلنا بعدما عرفنا أن نفهم وأن نؤمن.

ولعلنا لا نتفائل بذلك كثيرا، ولدينا ما يبرر حالة التشاؤم تلك، فحتى هذا اليوم، لم يحاسب أي مسؤول عن إنفجار مرفأ بيروت، بل لم يحدد بدقة من المتهم؟، والأكثر من كل ذلك، أن القاضي (طارق بيطار) المحقق العدلي الذي إسندت إليه مهمة التحقيق في إنفجار مرفأ بيروت أصبح هو نفسه هدفا لسهام التجاذبات السياسية والطائفية في لبنان، وأصبح القانون ذاته هو الوسيلة التي يستخدمها من تدور حولهم الشبهات للإفلات من الوقوف أمام القضاء، لذا فلا عجب أن تنام حيفا آمنة وأن تظل عيون بيروت يغزوها السواد من أرق الليالي الطويلة.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -