زدني معرفة

كتاب الاعتبار، لأسامة بن منقذ

 

الاعتبار، لأسامة بن منقذ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

لم تكن الحروب الصليبية التي شنتها أوروبا علي بلاد الشرق لقاء سيوف وصهيل خيل ومعارك ظلت أسمائها محفورة في جبين التاريخ فحسب، بل أتاحت أيضا لقاء بين الحضارتين الشرقية والغربية في تلك الحقبة المتوسطة لعمر تاريخنا.

غلاف كتاب الاعتبار، والذي حرره الدكتور فيليب حتي، وهو أحد كبار المؤرخين العرب في القرن العشرين، وهو من منشورات مكتبة الثقافة الدينية في مصر، الطبعة الأولي 1996.

 

ومن رحم هذا اللقاء ولد أحد الكتب الذي نال اهتماما بالغا من الشرق والغرب معا إلي يومنا هذا، أنه كتاب الاعتبار أو The Book of Contemplation باللغة الإنجليزية، كما ترجم الاعتبار إلي عدة لغات أخرى كالفرنسية والألمانية.


أسامة بن منقذ:


وقد جمع صاحب هذا الاسم من الصفات والأحوال، ما قل أن تجتمع لشخص واحد، بداية من إحاطة سنوات عمره بتلك الوقائع التاريخية الكبرى، فكان مولده عام 1095 الذي شهد عقد البابا (أوربان الثاني) لمجمع كنسي في كنيسة كليرمونت بفرنسا انطلقت منه الدعوة للحروب الصليبية، ووفاته عام 1188 بعد استرداد القدس علي يد صلاح الدين بعام واحد.


هو أيضا مؤرخ عظيم وكاتب ومحارب حمل سيفه ضد الصليبيين، ورسول حاكم دمشق إليهم لعقد الصفقات والهدن، وهو فوق هذا كله أمير من أسرة (بني منقذ) والتي كان لها ملك (قلعة شيزر) التي تشرف علي وادي العاصي وسهل العشارنة بالقرب من حماة في سوريا الآن.

وفي الدفاع عنها وعن ملك عائلته شارك أسامة بن منقذ في أكثر من عشر معارك ضد خصوم من العرب والمسلمين، فكان جل قتاله ضد الطامعين في ملك عائلة بني منقذ لا الصليبيين، التي كان أعدائها يحاربونها بالسيف وبالشعر أيضا.


فنقرأ من أبيات شعر الشاعر (عمارة بن عقيل) دعاء له علي بني منقذ فيقول:

بني منقذ لا آمن الله خوفكم : وزادكم ذلا ورقة جانب


وكان هذا بيت من مجموعة أبيات كتبها جراء إجبارهم فتاة تسمي "نائلة" علي الزواج من قاتل أبيها وأخيها. ومن المعروف أيضا أن أسامة وقومه صالحوا الصليبيين مضطرون عام 1120 ميلادية لتبدأ قصتنا، ولكن من دمشق وليس من أسوار شيزر المنيعة.


بين المقاتل والمهادن:


في نفس الفترة التي شهدت بزوغ نجم (عماد الدين زنكي) باعتباره قائدا لجهود العرب والمسلمين ضد الإمارات الصليبية، كان علي النقيض منه (معين الدين أنر) حاكم دمشق، فلم يجد الأخير ما يمنعه من التواصل مع الصليبيين وعقد الاتفاقات معهم، (معين الدين أنر نفسه سيعود ليقاتل الصليبيين مجددا دفاعا عن دمشق، وستتزوج ابنته من نور الدين زنكي القائد المسلم الذي حارب الصليبيين طويلا وكثيرا، ثم ستصبح بعد وفاته زوجة للسلطان صلاح الدين الايوبي محرر القدس).


ومن بين علماء ومثقفين وسادة دمشق يومها، وقع اختياره علي أسامة بن منقذ ليكون رسوله إليهم، والذي سيكتب لنا خلال هذا التواصل بينه وبين الصليبيين كتاب الاعتبار، أهم وأدق الكتب التي وصفت حياة الصليبيين في بلاد الشرق في القرن الثاني عشر للميلاد.


تفرد الاعتبار:


الميزة الأساسية في كتاب الاعتبار، أنه لم يأتي فقط ليؤرخ للصراع العسكري أو الحرب المقدسة بين الطرفين، وإنما جاء كتابا شارحا لتفاصيل حياة الصليبيين العادية من جهة، والعرب والمسلمين من جهة مقابلة، وكان لحياة أسامة بن منقذ نفسه حظا كبيرا في الكتاب، حتى أن الكثيرين يصنفون الاعتبار كأول مذكرات شخصية في التاريخ العربي. وأضفي عليه بن منقذ بعدا آخر بوضع رأيه الشخصي المتزن لتلك القصص والحكايات التي قصها علينا.


وسنركز في تناولنا للاعتبار علي تجربته مع الصليبيين تحديدا فهي نقطة تفرد الكتاب الأساسية، والتي تميزه عن سائر الكتب العربية التي وضعت في تلك الحقبة والتي تركز أساسا علي حياة العرب فحسب أو علي المعارك مع الصليبيين، ولقد جاءت رواية أسامة بن منقذ في هذا الشق متماشية مع الصورة التي نقلتها المصادر الأوروبية أو الصليبية المعاصرة للحملة الصليبية الأولي أو تلتها، مما يعني أن ابن منقذ كان مؤرخا وناقلا أمينا، وهو أفضل شيء قد يعثر عليه قارئ أو باحث في التاريخ.


ولنضف فوق ذلك كله شخصية الكاتب الاستثنائية والتي جعلته مستشارا لعماد الدين ونور الدين زنكي، وأعدائهم حكام دمشق، وللحكام الفاطميين في القاهرة، وصلاح الدين الذي كتب كلمة النهاية لدولتهم، وكانت كل هذه العلاقات التي تربطه بالحكام العرب والصليبيين ميزة هائلة جعلت الاعتبار كتابا يندر في التاريخ مثيله. ولذا فليس مستغربا أن الطبعات الأولي للكتاب كانت في القرن التاسع عشر في أوروبا حيث وجدت النسخة الأصلية له في إسبانيا عام 1880 ثم نقلناه نحن بالعربية.


ضد الإفرنج:


استخدم بن منقذ كلمة (الإفرنج) دوما للحديث عن الصليبيين، فنراه يذكر في مطلع الاعتبار قتاله ضد الإفرنج وأوله سنة 1119 الموافق 563 هجرية، فكبر عليه ما رأي من مقتل أعداد كبيرة من الناس حتى أن الموت هان عليه، فاندفع قاصدا أحد فرسان الصليبيين قد تخفف من درعه فطعنه.


لوحة فرنسية تعود لعام 1338 تصور حصار قلعة شيزر، ويظهر فيها الإمبراطور البيزنطي يوحنا كومنين يوجه الجنود ويقود المعارك بينما حليفاه (جوسلين الثاني) وكان قمص الرها، و (ريموند پواتييه) صاحب أنطاكية، يجلسان في خيمة يخوضان مقامرات بالنرد، وقد كان ذلك التمزق بين الحلف الثلاثي أحد أسباب فشل الحصار علي شيزر.

 

وبالسير أكثر في صفحات الكتاب نجده يخبرنا عن حكايات الشجاعة، وهو يذكر المقاتلين من الطرفين الذين ابدوا تلك الخصلة في ساحات الوغى وليس العرب فحسب، بل ويقص علينا عن حكايات بطولة نسوة العرب ومنهن "ندي الشيزرية" والتي أدخلت ثلاثة من الإفرنج إلي منزلها فسلبتهم ما كان معهم، ثم دعت قوما من جيرانها فقتلوهم.


طبائع الإفرنج وأخلاقهم:


تحت هذا العنوان كتب ابن منقذ رؤيته عن الإفرنج كقوم يسبح الإنسان ربه إذا خبر أمورهم، فما هم إلا بهائم فيها فضيلة الشجاعة والقتال لا غير.


ومما ذكر ابن منقذ أيضا. قصة تظهر التفوق الكبير للعرب علي الصليبيين في الطب، فيحكي عن طبيب نصراني من العرب يسمي "ثابت" ذهب إلي المنيطرة - منطقة في لبنان الآن- بناء علي طلب صاحبها من عم ابن منقذ طبيبا عربيا ليداوي مرضي من أصحابه.


وخلال وجود الطبيب العربي هناك عرضت عليه حالتين أولها كانت لفارس في قدمه صديدا، والثانية لسيدة مصابة بالنشاف، وعندما شرع الطبيب العربي في علاجه لهما والذي بدأ يؤتي بثماره، جاءهم طبيب إفرنجي فشككهم بعلاجه، وكانت النتيجة أن الفارس مات أثناء محاولة الطبيب الإفرنجي قطع قدمه المصابة بعد أن أقنعه أنه لابد من بترها، وأما المرأة فماتت وهو يشق رأسها بحثا عن الشيطان العاشق الذي سكن رأسها.


وعلي صعيد احترام معتقدات الآخر، فبينما كان المسيحيين واليهود يعيشون بكامل حريتهم بين المسلمين، تعرض صاحبنا لتجربة كشفت عن تعصب في نفوس الصليبيين، ولا عجب في ذلك فلقد كان التعصب الديني سببا أساسيا لقدومهم إلي بلاد الشرق، فكان ابن منقذ من العرب الذين أسعفهم حظهم لزيارة القدس وهي تحت الاحتلال الصليبي، وتبدو من كلماته لوعة وحزن علي المسجد الأقصى الذي حوله الإفرنج إلي كنيسة، ثم يتعرض لاعتداء من أحد الصليبيين لاختلاف القبلة التي يستقبلها في صلاته، فما علم ذلك الصليبي كونه مسلم من صلاته وحركاتها بل ظنه يصلي خطأ، ولنا أن نتصور أن هذا جاء لبلادنا تحركه دوافع دينية، وهو لا يفرق بين صلاة المسلمين وصلاته.


كما يروي علينا ابن منقذ أن الإفرنج كانوا لا يزالون يحتكمون في بعض أمورهم إلي قوانين الإنسان البدائي دون قوانين الكنيسة أو تعاليم السيد المسيح -عليه السلام- فنجدهم مثلا يحتكمون إلي المبارزة للحكم ببراءة أو إدانة رجلا من الفلاحين، فيتبارز هو ومن اتهمه بأنه دل لصوص من المسلمين علي ضيعة من ضياع نابلس، لتنتهي المبارزة الدامية بمقتل الفلاح العجوز، الذي وإن صحت التهمة المنسوبة إليه فلا تصل عقوبتها أبدا حد القتل.


كما اعتمد الإفرنج أيضا أسلوبا كان يعرف في الحضارات القديمة باسم (المحنة)، وفيه يتعرض المتهم لمحنة ما، فإن كان بريئا ستتدخل يد السماء لإنقاذه، كما حدث لأحد الشباب الذي تم اتهامه وأمه بالاحتيال علي الحجاج المسيحيين وقتلهم، وانتهت محنة الشاب بموته غريقا، وهذا كله ملمح آخر بجوار ما سبق وذكرناه عن الطب يوضح مدى الفارق الحضاري الشاسع بين المسلمين والعرب من جهة، والإفرنج من جهة أخرى يومئذ.


أما الصدمة التي أذهلته، فجعلت ابن منقذ يفرد لها عنوانا مستقلا فكانت ضياع النخوة والغيرة، فكتب أكثر من مثالا عن ذلك منها أن الرجل قد يسير هو وزوجته فيلقاهم رجل آخر فيتركها زوجها تتحدث معه بمفردهما، وإن طال كلامهما يتركهما الزوج ويمضي.


ويذكر قصة أخرى حدثت في نابلس عن رجل إفرنجي وجد ذات يوم رجلا مع امرأته في الفراش، فكان مبلغ ما فعل أن حذره لو كررها لاختصما. ويستعجب كيف يجمع للقوم عدم النخوة والشجاعة العظيمة معا، فكما يقول ما تكون شجاعة إلا من نخوة.


كان أسامة بن منقذ صاحب الاعتبار أحد المستشارين الذين استعان بهم صلاح الدين الأيوبي، والذي شكلت أخلاقياته في التعامل مع أعداءه، نموذجا فريدا في تاريخ الحروب والصراعات الإنسانية، وفي الصورة انتصاره في حطين الذي توفي بن منقذ بعده بعام واحد، اللوحة للفنان السوري سعيد تحسين عام 1954، ويظهر فيها صلاح الدين مع غي دي لوزينيان ملك القدس وقتها.

 

وبهذه القصص وغيرها التي مثلت كنزا تاريخيا وثق لنا حياة الناس في الإمارات الصليبية إبان الحملة الصليبية الأولي، كان الاعتبار أهم كتاب كتبه ابن منقذ، وأكثرها شهرة شرقا وغربا، ورسالة تصلح لزمان نحياه أن الأيام دول بين الناس، فمن يملك مفاتيح الحضارة الآن كان غارقا في ظلمات الجهل، لكنه تخلص منه بعمله وعلمه، وأن الحضارات تتواصل حتى في لحظات التصادم، فلنسعى جميعا لصيغة واحدة يحيا فيها العالم كله في سلام وتكامل حضارات، وليس صراعها، فما كان الاعتبار كتاب يحكي قصصا دون عبرة وهدف وبيان تأثير لاحتكاك الشرق والغرب بكل الصور في تلك الأيام.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -