زدني معرفة

مسرحية فرنسية تكسر الصمت بشأن الاعتداءات الجنسية علي الأطفال داخل الكنائس

في عمر الثامنة، تعرض لوران مارتينيز للاعتداء الجنسي من قبل قس.

الكاردينال راينر وولكي ، رئيس أساقفة كولونيا في ألمانيا، حجب تقرير يثبت الاعتداءات الجنسية المتكررة علي الأطفال داخل الكنائس، وبرغم ذلك رفض البابا فرانسيس قبول استقالته، Raimond Spekking / CC BY-SA 4.0 (via Wikimedia Commons)


اليوم وبعد أكثر من أربعين عاما من تلك الحادثة، اختار تحويل قصته إلى مسرحية لإظهار العواقب المدمرة لتلك الحوادث، وكيف يمكن للتحدث علانية أن يساعد الضحايا على التعافي وإعادة بناء شخصياتهم من جديد.


العفو؟ :

المسرحية تأتي بعنوان "العفو؟"، وهي مأخوذة من حياة المؤلف والممثل الفرنسي لوران مارتينيز، وتصف كيف شعر بأنه يلتهم روحه ، وكيف ظل يكافح في الحياة اليومية بعد ذلك.


مسرحية العفو؟، تم عرضها في وقت سابق من هذا العام علي عدد من الأساقفة، جاء ذلك العرض قبل التقرير الصادم الصادر الأسبوع الماضي، والذي كشف عن حقيقة مخجلة لفرنسا، مفادها أن حوالى ٣٣٠ ألف طفل في فرنسا تعرضوا لاعتداءات جنسية من القساوسة ورجال الدين، علي مدار السبعين عامًا الماضية داخل الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا (٨٠٪ من الضحايا كانوا من الذكور، والباقي من الفتيات).


على الرغم من الاكتشافات المروعة في ذلك التقرير، ومسرحيته التي تعكس حالة واحدة فقط، أعرب لوران مارتينيز عن أسفه لأنه "لا يوجد في الكنيسة -على الإطلاق- شعور بأن هذه القضية ملحة".


وفي مقابلة للفنان الفرنسي مع وكالة أسوشيتد برس، قال أنه من الواضح أن أساقفة الكنائس يشعرون بالانتقادات الموجهة ضدهم، لكن كل ما يفعلونه أنهم يتحدثون ويتحدثون ويتحدثون فقط.


ذكريات حية:


بالنسبة لمارتينيز ، البالغ من العمر الآن ٥٢ عامًا ، لا تزال ذكريات الانتهاك الجنسي حية.


حينها، وجد الكاهن الذي كان يدرّس دروس التعليم المسيحي ذرائع لرؤية مارتينيز البالغ من العمر ٨ سنوات بمفرده.


قام القس يتقبيل ولمس أعضائه التناسلية. كما يتذكر مارتينيز أن المعتدي دعاه ذات يوم إلى شقته وأجبر الصبي على ممارسة الجنس الفموي. بموجب القانون الفرنسي ، سيتم تصنيف ذلك على أنه اغتصاب.


فيما بعد امتلك لوران مارتينيز الشجاعة الكافية لاخبار والديه ، اللذان نبها الأبرشية ، وتم إبعاد القس.


ويعتقد لوران أن الكاهن قد مات الآن. ومثل معظم ضحايا الاعتداء الجنسي في الكنيسة ، وخاصة قبل فضائح الإساءة للكنيسة التي تفجرت في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ، لم يسعى مارتينيز إلى اللجوء إلى القضاء.


الآن سيكون الأوان قد فات بسبب قوانين التقادم، التي تمنع عقوبة الفاعل للجريمة بعد مرور مدة معينة من وقوعها.


لأكثر من أربعة عقود من الزمان، قام مارتينيز بدفن الإساءة بداخله ، ولم يتحدث عنها إلا للسيدتين اللتان تزوجهما، ويصف ذلك بقوله: ((بالنسبة لي ، أصبحت أنظر إلي العلاقات الجنسية في داخلي على أنها شيء ممنوع. لذلك كان من الصعب للغاية بالنسبة لي أن أجتازها ، وكان علي أن أجد شركاء صبورين للغاية)).


تأثير قائم:


ستبين مسرحية العفو؟، كيف أثرت الإساءة الجنسية التي تعرض لها لوران مارتينيز علي حياته العاطفية والجنسية كشخص بالغ، كيف أصبح عدوانيًا أحيانا، وكيف يبالغ في رد فعله تجاه المخاوف اليومية أحيانا أخرى... لكنه أيضا أمتلك شيئا إيجابيا، لقد أصبح شديد الحرص تجاه حماية الأطفال.


الممثل الفرنسي لوران مارتينيز، ضحية الاعتداء الجنسي داخل الكنيسة، صورة من AP. 


الممثل الفرنسي قال إنه قضى ٤٠ عامًا "مرتديًا قناع شخص آخر" و "يسعى لإخفاء شيء يشبه السرطان بداخله".


قبل بضع سنوات فقط، شعر أنه بحاجة إلى التحدث علانية لأنه سئم من إبقاء الصدمة بداخله.


((فكرت: يجب أن أفعل شيئًا. لا يمكن الاستمرار على هذا النحو)).. ومن هنا ولدت المسرحية.


عُرضت مسرحية "العفو؟" لأول مرة في مهرجان أفينيون للفنون في عام ٢٠١٩. قبل ذلك التاريخ، كان قد أخبر ولديه أيضًا، إنهما يبلغان الآن ٢١ و ١١ عامًا ، عن الإساءة الجنسية التي تعرض لها في طفولته.


منذ ذلك الحين ، عُرضت مسرحية "العفو؟" في عدة مسارح في باريس، وعبر فرنسا، ككا تم عرض أداء لها على شبكة التلفزيون الكاثوليكية الفرنسية KTO.


يصف لوران مارتينيز أثر عرضه لمسرحيته بقوله: ((لقد كنت أعاني من الألم لفترة طويلة ، والآن أنا أمثل ذلك.. لقد أصبحت "أمثل" الألم، لكني لم أعد أشعر به)).


خلال الأسابيع الأخيرة ، اتخذ مارتينيز ، الذي فقد إيمانه بعد الاعتداء ، خطوة جديدة وحاسمة، فبعد الكثير من التردد ، تقدم بسؤال إلي رئيس مجلس أساقفة فرنسا ، (إريك دي مولين-بوفورت) ، عما إذا كان بإمكانه طلب غفران لخطيئة المعتدى باسم المعتدي عليه.


يتذكر مارتينيز ما حدث بقوله: "لقد قبل رئيس الأساقفة طلبي، وكان الأمر رائعًا من الناحية العاطفية للجميع في تلك الليلة". "لقد أعطيت مسامحتي وعفوي للكاهن الذي اغتصبني".


ويضيف: ((بعد ذلك ، شعرت حقًا أنني متحرر تمامًا من عبء الغضب الذي كنت أشعر به، من الرغبة في الانتقام، اختفت كل المشاعر السيئة التي شعرت بها ، لمجرد أنني قد سامحت المعتدى)).


الممثل الفرنسي قال: ((شيئًا فشيئًا اختفت الصدمة، وما ساعدني أكثر أنني كنت قادرا علي مسامحة الكاهن)).


كشف التستر:


لوران مارتينيز، كان لديه اتصالات سابقة مع مولين-بوفورت، رئيس مجلس أساقفة فرنسا، والذي دعم بشكل شخصي جهد الممثل في عرض المسرحية، وقام بوفورت بعرض المسرحية علي الأساقفة الفرنسيين، كجزء من جهود الكنيسة لمواجهة الأسرار المخزية التي كانت مخفية منذ فترة طويلة، بخلاف أنه نفسه كان قد طلب العفو من الضحايا عما أصابهم.

 

مولين-بوفورت، رئيس مجلس أساقفة فرنسا، Peter Potrowl، (CC BY-SA 4.0)، Via Wikimedia commons. 


ينظر إلي هذا العرض المسرحي باعتباره دليلاً على الإدراك المتأخر لرأس الكنيسة الكاثوليكية، لأن الاستماع إلى الناجين هو جزء أساسي من جهود الكنيسة للتعامل مع المشكلة ومساعدة الضحايا على الشفاء.


في العام ٢٠١٩، كشف البابا فرانسيس في قمة عقدها مع رؤساء مؤتمرات الأساقفة في جميع أنحاء العالم عن توصله إلي ذلك الرأي القائل بضرورة سماع الضحايا، وتضمن ذلك شهادات موجعة منهم عن سوء المعاملة التي تعرضوا لها، والصدمات النفسية التي نتجت عن تلك الاعتداءات التي تحدث في الكنائس الكاثوليكية حول العالم وليست الفرنسية فحسب.


بالنسبة للعديد من الأساقفة، كانت تلك هي المرة الأولى التي يستمعون فيها فعليًا إلى أحد الناجين، حيث غالبًا ما تتجاهل الكنيسة الضحايا أو تعاملهم كعدو يحاولون إلحاق الضرر بالمؤسسة.


واذا قرأنا التوصيات الواردة في تقرير الأسبوع الماضي، الذي عري الاعتداءات الجنسية المسكوت عنها، والبالغ عددها ٤٥ توصية، نجد توصيات بعدد من الإجراءات التي من شأنها إضفاء (الطابع المؤسسي) على طرق التسلسل الهرمي للكنيسة لمساعدة الضحايا والاستماع إليهم بشكل أفضل، وتعويضهم.


قدر التقرير أن ما لا يقل عن ٢٩٠٠ إلى ٣٢٠٠ من رجال الدين الذكور، كانوا مسؤولين عن الاعتداءات الجنسية على الأطفال في فرنسا منذ الخمسينيات، ويتهم الكنيسة بالتستر الممنهج عليهم.


يقول مارتينيز في هذا الصدد أن مسرحيته تساعد الأشخاص الآخرين الذين عانوا من محن مماثلة ، ويأمل أن تشجعهم على التحدث وطلب المساعدة، مضيفا: ((البعض يأتون لرؤيتي ويقولون: شكرًا جزيلاً لك ، لأن هذه هي قصتي أيضًا. وأنت أول شخص اعترف له بذلك)).


-------


ترجمة المعرفة للدراسات لتقرير من وكالة أسوشيتد برس.
تقرير من إعداد: سيلفي كوربيت.
ساهم في التقرير جيفري شيفر من باريس ونيكول وينفيلد في روما.


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -