زدني معرفة

الكونكورد.. أول طائرة ركاب أسرع من الصوت.. حلم انتهي بكارثة

 الكونكورد، ذلك الاسم الذهبي الذي يحمل كلما ذكر، الكثير من الشجون والذكريات.

الكونكورد 
Aero Icarus from Zürich, Switzerland, licensed under the Creative Commons Attribution-Share Alike 2.0 Generic 


كانت الكونكورد أول طائرة ركاب تجارية أسرع من الصوت في العالم، اشير إليها كنوع من الدعايا والتفخيم بأنها الناقلة الأسرع من الصوت أو "SST".


الطائرة الحلم:


كانت الكونكورد فعليا طائرة أحلام، حقق بها البشر أحد أحلامهم بصنع طائرة ركاب تجارية تطير أسرع من الصوت، بعدما بدأت هذه القدرة تظهر علي متن الطائرات الحربية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية.


ورغم أن عديد من العاملين بمجال الطيران المدني دارت في أذهانهم تلك الفكرة، إلا أن أحدهم فقط قد تملكه الحلم تماما.


ففي مطلع الخمسينيات، قام السير "أرنولد هول" والذي كان يشغل منصب مدير مؤسسة الطائرات الملكية (RAE)، بتكليف مهندس الطيران الويلزي الواسع الشهرة "موريان مورغان"، بتشكيل لجنة لدراسة إمكانية إنتاج طائرة أسرع من الصوت. 


اجتمعت مجموعة المهندس مورغان لأول مرة في فبراير ١٩٥٤، حيث ستدور الكثير من المناقشات والمداولات، قبل أن يقوموا بتسليم تقريرهم الأول في أبريل من العام التالي، والذي تضمن خلاصة أصبحت واقعية في تصميم الكونكورد بالفعل، ستكون الطائرة بجناحين قصيرين، ما يعطيها قدرة منخفضة للغاية علي الإقلاع بسرعة منخفضة، وهذا سيجعلها تحتاج لوقت طويل للإقلاع، وسرعة هبوط عالية بشكل مخيف، وسيتطلب الأمر قوة هائلة للمحركات كي تستطيع الإقلاع من مدرجات المطارات الحالية.


اشتركت شركات صنع الطائرات الكبرى في بريطانيا العظمي مع فرنسا، بالإضافة لحكومتي الدولتين من أجل صنع الطائرة التي اطلقوا عليها اسم الكونكورد.


غالبا ما تلقب الكونكورد، والتي لها أرث عاطفي في نفوس البريطانيين والفرنسيين خصيصا بلقب "التعاون العظيم". لقد كان مشروعا عملاقا، ربما أرادت به الدولتين اللتان حكمتا العالم لقرون، إعطاء اشارة للكبيرين الجديدين "الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي" إشارة علي كونهما لا يزالان أقوياء ويستطيعان التفوق.


انطلاقة الكونكورد:


الثاني من مارس عام ١٩٦٩، تنطلق الكونكورد بنموذجها التجريبي الأول 001، من مدينة تولوز الفرنسية، لتمخر عنان السماء للمرة الأولى في أول رحلة تجريبية لها، بقيادة الكابتن "أندريه توركات"، وسرعان ما حققت الكونكورد الحلم الذي بنيت خصيصا من أجله بالطيران أسرع من الصوت في الأول من أكتوبر من ذات العام. 


الكونكورد تقلع لأول مرة، This photograph is part of the Fonds André Cros, preserved by the city archives of Toulouse and released under CC BY-SA 4.0 license by the deliberation n°27.3 of June 23rd, 2017 of the Town Council of the City of Toulouse.


في السادس والعشرين من سبتمبر ١٩٧٣، وقبل عشرة أيام فقط من انطلاق المصريين التاريخي لعبور قناة السويس وتحرير سيناء، سجلت الكونكورد أول عبور لها فوق المحيط الأطلسي.


وفي الحادي والعشرين من يناير عام ١٩٧٦، انطلقت الكونكورد لتفتتح أول خدمة طائرات ركاب أسرع من الصوت في العالم، وتدخل للخدمة بشكل رسمي وتجاري.


قامت الخطوط الجوية البريطانية في البداية بتسيير الطائرة من لندن إلى البحرين، بينما كانت الخطوط الجوية الفرنسية تحلق بطائراتها الكونكورد من باريس إلى ريو دي جانيرو البرازيلية. ثم أضافت شركتا الطيران خدمة منتظمة إلى واشنطن العاصمة في مايو ١٩٧٦، وإلى مدينة نيويورك في نوفمبر ١٩٧٧.


تميز لا نهائي:

لم تكن كونكورد مجرد أعجوبة هندسية، بل كانت أيقونة جمال حقيقية في كل شيء، في تصميمها، في أسلوب وشكل طيرانها، وعلي طريقتها الخاصة، صنعت لنفسها اسما لا مثيل له.


تم تصميم كل جانب من جوانب الكونكورد لتحقيق الكفاءة الديناميكية الهوائية، وبتصميمها المميز أصبح كل من يراها في أي بقعة من بقاع الأرض يعرفها فورا، إنها الكونكورد أشهر وأسرع طائرات الدنيا.


أما عن المحركات، فحدث ولا حرج، إذ حظيت الكونكورد بأقوي محركات تم تركيبها علي متن طائرة ركاب تجارية في كامل تاريخ الطيران.


تم تخصيص ٤ محركات لكل طائرة كونكورد، تمتعت بالتقنية الثورية في ذلك الوقت والتي عرفت بإعادة التسخين ‘reheat’، وهي تكنولوجيا تجعل المحركات أكثر تعقيدا وأكثر تكلفة، لكنها في نفس الوقت ترفع من كفاءة تلك المحركات.


وفي حالة الكونكورد، كان الوقود يضاف إلي المرحلة الأخيرة من المحرك، مما ينتج عنه قوة إضافية للمحركات والتي كانت ضرورية للإقلاع، والانتقال إلي السرعة الأعلى من سرعة الصوت.


كانت أسرع رحلات الكونكورد عبر المحيط الأطلسي في السابع من فبراير عام ١٩٩٦، عندما أكملت رحلة من نيويورك إلى لندن في ساعتين و٥٢ دقيقة و٥٩ ثانية.


بطولة الكونكورد:


اذا كنا سنعطي لطائرات الكونكرد لقبا، فبالتأكيد ستكون "الطائرة البطلة".


طائرة كونكورد تابعة للخطوط الجوية البريطانية، The U.S. National Archives, Public Domain. 


فبخلاف انفرادها وتميزها عن سائر طائرات الركاب التجارية بسرعتها الأعلى من سرعة الصوت، خدمت الكونكورد باخلاص في كل الخطوط الجوية التي امتلكتها، وأدت دورها بشكل كامل.


وربما يعد الدليل الأبرز علي ذلك، أن الخطوط الجوية البريطانية والتي شغلت الكونكورد ضمن أسطولها، لازالت تحيي علي موقعها الإلكتروني ذكرى الكونكرد حتى الآن.


وفقا لأرقام الخطوط الجوية البريطانية فحسب، طارت الكونكرد التابعة لها ما يقل قليلا عن ٥٠ ألف رحلة طيران، نقلت خلالها أكثر من ٢،٥ مليون راكب نحو وجهتهم في رحلات أسرع من الصوت، وسرعة اقلاع بلغت ٢٢٠ عقدة أي (٢٥٠ ميلاً = ٤٠٢،٣٣٥ كم) في الساعة.


طارت الكونكورد في أيام مجدها الذهبية بسرعة طيران ١٣٥٠ ميل في الساعة (يعادل ٢١٧٢،٦٠٩ كم في الساعة) -هذا الرقم يعادل ضعف سرعة الصوت-.


مكنت تلك السرعة، طائرات الكونكورد من إنجاز الرحلات عبر المحيط الأطلسي، من لندن إلي نيويورك، خلال وقت أقل بقليل من ثلاث ساعات ونصف، في حين كانت رحلات الطائرات التجارية من بقية الأنواع والطرازات علي اختلافها والتي تطير جميعها بسرعة أقل من سرعة الصوت، تصل لحوالى ثماني ساعات.


يمكننا تخيل مدى سرعة الكونكورد في أن أقرب منافسيها إلي يومنا هذا، هي الطائرة بوينغ-٧٨٧ دريم لاينر Boeing 787 Dreamliner، التي طارت في فبراير ٢٠١٩، في رحلة من لوس أنجلوس إلي لندن خلال تسع ساعات و ١٣ دقيقة، بسرعة ٨٠١ ميل (١٢٨٩،٠٨١ كم) في الساعة، أثناء تحليقها فوق ولاية بنسلفانيا، لتصبح أسرع طائرة بين كل الطائرات المدنية التجارية لكن البوينغ ظلت أقل من الكونكورد بفارق كبير يصل لنحو ألف كم / ساعة.


مثل ذلك الوقت الذي وفرته الكونكورد، فرصا رائعة في الثمانينات والتسعينيات، لإتمام صفقات تجارية ناجحة بملايين الدولارات -صاحب الرقم القياسي في ركوب الكونكورد هو رجل الأعمال فريد فين مع ٧١٨ رحلة علي متنها-، وقطع الدبلوماسيين مسافات هامة، ومجالا للتفاخر بين العامة، فكان كب من يركب الكونكورد يحرص علي الاحتفاظ بتذاكرها ومتعلقات الرحلة التي تعطي له والتقط معظمهم صورا لهم خلالها، كانت الكونكورد ظاهرة عالمية، وليست مجرد طائرة ركاب تجارية.


ولم يفت الخطوط الجوية البريطانية استعراض إمكانيات طائراتها الكونكورد والتسويق لها، فعلي سبيل المثال، وفي نوفمبر من عام ١٩٨٦، دفعت بواحدة من الطائرات طراز كونكورد لتطير حول كوكبنا كله، حيث طارت ٢٨٢٣٨ ميل، قطعتهم خلال ٢٩ ساعة و ٥٩ دقيقة.


رحلة علي متن الكونكورد:


ما رأيكم اذن أن نصحبكم في رحلة مليئة بالنوستالجيا علي متن الكونكورد عبر المحيط الأطلسي.


ستشعر بالتميز في كل شيء حتى من قبل إقلاع الطائرة، فهناك صالة مخصصة فقط لركاب الكونكورد مستقلة عن باقي صالات الرحلات الأخرى، ستجد صالة شبيهة لها حينما نصل إلي وجهتنا في نيويورك.


تجلس علي مقعدك الشبيه بمقاعد بمقاعد المكاتب، ستلاحظ الضيق النسبي في ممر الطائرة الوحيد الذي يبلغ عرضه "٨ أقدام ونصف : ٢،٦٣ متر". لقد حجزنا لك في القسم الأمامي من الطائرة،، برغم أنه لا توجد في الكونكورد درجة رجال أعمال ودرجة اقتصادية، لكننا فضلنا أن نضعك في المقدمة. 


تفضل بالجلوس هذه هي طائرة الكونكورد من الداخل، The U.S. National Archives, Public Domain. 


واذا ما احتجت الذهاب إلي المرحاض، فستجده في منتصف الطائرة.


تقلع طائرتنا الآن من مطار هيثرو الشهير في العاصمة البريطانية لندن، وتصعد بسرعة هائلة لتصل إلي ارتفاع ٦٠ ألف قدم.


تشعر الآن بكل تأكيد بالخدمة الفائقة المقدمة من بعض أفضل أطقم الضيافة في العالم المنتخبين خصوصا لتقديم الخدمة لأفراد مميزين ومحدودي العدد يستقلون الطائرة الصاروخية.


نحن الآن فوق المحيط الأطلسي.. السماء الداكنة تبدو من النافذة الصغيرة للطائرة، فلقد حجزنا المقعد المجاور للنافذة، انت تنظر الآن إلي الطبقة الثانية من طبقات الغلاف الجوي الستراتوسفير (stratosphere) التي تمتد من ارتفاع ١٦ إلي ٥٠ كم فوق سطح الأرض، بعدما عبرنا معا طبقة التروبوسفير (troposphere) التي تمتد من سطح الأرض إلي ارتفاع ١٢ كم.


يظهر الآن علي شاشة الطيار أن سرعة الطائرة بلغت ضعفي سرعة الصوت (٢ ماخ)، ننضم في هذه اللحظة بالتحديد لنادي النخبة من بين ركاب جميع الطائرات التجارية، بل ونصل لسرعة تتفوق علي سرعة بعض المقاتلات الحربية.


أخيرا، وبعد ثلاث ساعات ونصف من الإقلاع، تفتح الطائرة عجلاتها، ونسمع عبارات الترحيب بوصولنا إلي نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية.


الكابوس:


كانت رحلة الخطوط الجوية الفرنسية رقم ٤٥٩٠ Air France flight 4590، التي تحمل رقم التسجيل العالمي F-BTSC علي موعد كارثي مع التاريخ.


الرحلة التي ستقوم بها طائرة كونكورد، في الخامس والعشرين من يوليو عام ٢٠٠٠، ستقلع من المدرج رقم ٢٦ في مطار "شارل ديغول".


خلال السير علي المدرج، دهس الأطار الأيمن الأمامي من عجلات الطائرة (الأطار رقم ٢)، شريط معدني كان قد سقط من طائرة أخرى مرت قبل الكونكورد علي أرض المدرج.


وكما تقول العرب، معظم النار من مستصغر الشرر، التفسير الرسمي للتحطم: هذا الشريط الصغير من التيتانيوم، الذي سقط من رحلة طيران شركة كونتيننتال أقلعت قبل فترة  وجيزة من الكونكورد. 


هذه القطعة المعدنية تفتت وتناثرت نتيجة دهسها، وطارت قطعها لتصدم هيكل جناح الكونكورد، ونتيجة لهذا تضرر خزان الوقود رقم ٥ بشدة، ليبدأ حريقا في الاندلاع غذّاه التسرب، وتبدأ معه فصول الفاجعة.


فورا، ظهرت النيران أسفل الجناح الأيسر للطائرة، وما هو إلا وقت قصير حتى بدأت المشاكل في الظهور علي المحرك رقم ٢، ووصلت بعدها للمحرك رقم ١، وحينها كانت الطائرة قد اقلعت بالفعل في تمام الساعة الثانية و ٤٤ دقيقة من بعد ظهيرة ذلك اليوم.


وكرد فعل سريع، قام طاقم الطائرة باغلاق المحرك الثاني فورا علي أمل انطفاء النيران، لكن العقبات لم تتوقف عن التعاقب أمامهم، فبعد تلقيهم انذار وجود حريق في المحرك، لاحظ الطاقم أن جهاز الهبوط لا يعمل، وأن عجلات الطائرة لا تزال مفتوحة ولم تدخل بدن الطائرة.


واصلت الطائرة تحليقها لحوالي دقيقة بسرعة ٢٠٠ عقدة وعلى ارتفاع ٢٠٠ قدم، لكن طاقمها فقد السيطرة، وفشلت كل محاولاته لزيادة السرعة أو الارتفاع، وسرعان ما فقدوا المحرك رقم ١ بشكل كامل. 


اقلعت الكونكورد بعامود من نار، Toshihiko Sato. 


حينها، أخذت زاوية الطائرة شكل حاد للغاية، وتوقف المحركين الثالث والرابع تماما عن العمل، وسرعان ما أخذت طريقها للسقوط فوق فندق في "جونيس"، إحدى ضواحي باريس.


عندما هبت فرق الإسعاف والانقاذ والاطفاء، وانتقلت لموقع التحطم، انتهت عمليات البحث بنتيجة حزينة للغاية، لم ينجو أحد من ١٠٩ فرد هم جميع من كانوا علي متن الطائرة من طاقمها والركاب، فقد الجميع حياتهم.


الادهي من ذلك، أن أربعة اشخاص من سكان جونيس فقدوا حياتهم، واصيب ستة آخرين، نتيجة سقوط الطائرة المروع فوق ضاحيتهم القريبة من العاصمة الفرنسية.


أمان مثالي:


قبل الحادثة فوق الضاحية الباريسية جونيس، كانت الكونكورد تتباهي بسجل أمانها.


فعبر ٣١ عاما من التحليق فوق كل أرجاء الدنيا -منها ٢٤ عام من رحلات نقل الركاب التجارية المنتظمة-، لم تواجه الكونكورد خلالها أي حوادث سقوط أو تحطم.


لكن الحادثة مثلت كلمة النهاية للكونكورد، لن يمر سوى ٣ سنوات فحسب حتى تحيلها الخطوط الجوية البريطانية وآير فرانس للتقاعد.


كان السبب الرئيسي لإيقاف الطائرة الأسطورية عن العمل هو عدم قابليتها للعمل بشكل مربح بعد حادثة السقوط التي شاهدها العالم كله عام ٢٠٠٠، كانت التغطية الإعلامية للحادث سببا في إثارة فزع الناس من ركوب الكونكورد.


بخلاف ذلك، كانت أسعار تذاكر الكونكورد مفرطة في ارتفاعها مقارنة ببقية الطائرات التجارية، بخلاف ارتفاع فاتورة استهلاكها للوقود، وارتفاع تكاليف الصيانة بشكل متزايد.


الكونكورد التي كانت تثير الكثير من الضوضاء في رحلاتها، كانت تكافح أصلا من أجل خلق خطوط رحلات منتظمة للقيام بها، ففي العادة كانت خطوطها مؤقتة أو موسمية، وربما كانت بعض الخطوط الجوية الأخرى تطلب استئجار الكونكورد لمدة قصيرة للقيام برحلات محددة، وفي نهاية المطاف كانت الرحلات إلي نيويورك عبر المحيط الأطلسي هي الرحلات الوحيدة المنتظمة التي ظلت الكونكورد تقوم به.


رغم الشهرة الواسعة التي حققتها الكونكورد، وسجل خدمتها الطويل، فعندما احيلت للتقاعد من قبل آير فرانس في مايو ٢٠٠٣، ومن قبل الخطوط الجوية البريطانية في أكتوبر من ذات العام، كان عدد طائرات الكونكورد التي دخلت الخدمة بالفعل لم يتجاوز ال١٤ طائرة.


هل تعود الكونكورد:


قد يكون من المثير للأدرينالين في العروق أن نقول أن فرصة ركوب طائرة تجارية تطير بسرعة أسرع من سرع الصوت قد عادت مجددا، مع الأحاديث عن احتمالية عودة طائرات الكونكرد للتحليق مجددا.


لقد تقدمت تكنولوجيا وهندسة الطيران كثيرا منذ آخر رحلة طارت فيها الكونكورد عام ٢٠٠٣، وما حدث من تطور يمكن أن يجعل الكونكورد تعود للتحليق في أمان تام.


لكن فكرة عودة الكونكورد كما أن لها متحمسين، فلديها أيضا أعداء أشداء، يحذرون من أن تأثير عودة قوية للكونكورد سيكون كارثيا علي البيئة، والتي لم تعد تحتمل المزيد أصلا، وما تظهره من احترار عالمي وتغير مناخي خير شاهد علي ذلك.


هناك من يري أن مشروع طائرة أسرع من الصوت قد يكون محاط بعدم اليقين من الناحية الاقتصادية، لأن تكلفة حجز تذكرة لرحلة جوية علي متن هذا الطراز من الطائرات من المؤكد أنها ستكون باهظة الثمن. نعم قد تحظي باقبال واسع في البداية مع شغف الناس لخوض التجربة، وحنينهم للكونكورد، لكن استمرار حجز التذاكر بشكل مربح للشركة سيكون أمرا محل شك.


نموذج لتصميم الطائرة الجديدة الأسرع من الصوت


علي أي حال، اعلنت شركة الخطوط الجوية الأمريكية المتحدة في مطلع يونيو من العام الجاري ٢٠٢١، عن خططها لإعادة روح الكونكورد، والسرعة الأسرع من الصوت لعالم الطيران التجاري المدني، وأنها تستعد لشراء ١٥ طائرة نفاثة أسرع من الصوت من نوع يسمي Boom كشف عنه لأول مرة عام ٢٠١٧، مع خيار لشراء ٣٥ طائرة إضافية.


متغيرات:


منذ ذلك الحين، ودارت ناقشات عديدة حول هذا المشروع وفرص نجاحه فيما فشلت فيه الكونكورد حين توقفت عن التحليق منذ نحو عشرين عام.


الطائرات الجديدة التي تريد شركة الخطوط الجوية الأمريكية المتحدة United Airlines، الحصول عليها لن تصل إلي سرعة الكونكورد، لكنها ستكون أسرع من الصوت، مع سرعة تصل إلي (١،٧ ماخ) أي يحتمل أن تقلل الرحلة عبر المحيط الأطلسي من نيويورك إلى لندن إلى النصف، لتقطعها خلال ثلاث ساعات ونصف بدلا من سبع ساعات.


فهل ما شاهدناه من متغيرات خلال عقدين من الزمن في تكنولوجيا الطيران كفيل بتأمين عودة ناجحة للطائرات المدنية التجارية الأسرع من الصوت.. وهل ينجح المشروع اقتصاديا في ظل خراب كبير لحق بقطاع الطيران العالمي علي اثر أزمة فيروس كورونا المستجد وتعطيل ووقف الكثير من الرحلات حول العالم.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -