زدني معرفة

جسر ماغديبورغ المائي في ألمانيا.. تحفة الهندسة الألمانية

 العقل، أعظم هبة وهبها ﷲ للإنسان، فبالعقل، أصبحنا نعيش اليوم بكل ما انجزناه في رحلة الإنسانية من تطورات مدهشة في مختلف مجالات العلوم، بالعقل تبدل الإنسان الذي كان يطارد الوحوش سعيا لاطعام نفسه منذ آلاف السنين، إلي إنسان آخر، صنع جسر ماغديبورغ المائي في ألمانيا.

بشكل عام، يتميز الألمان بالجودة في كل شيء، يكفيك أن تري عبارة Made in Germany "صنع في ألمانيا"، لتتأكد من جودة المنتج الذي بين يديك.

جسر ماغديبورغ المائي، ٦ أغسطس ٢٠٢٠
Author: Olivier Cleynen, This file is licensed under the Creative Commons Attribution 4.0 International license


لكن منتجنا اليوم، هو أحد نتائج العبقرية الألمانية في علم الهندسة، إنه جسر ماغديبورغ المائي أو Kanalbrücke Magdeburg باللغة الألمانية.


الجسر القناة:


الجسر الواقع في منتصف ألمانيا، هو في حقيقته يستخدم كقناة ملاحية لتمر فيه السفن، ذلك هو الهدف الأساسي منه، وهو في الواقع "أطول قناة مائيه صالحة للملاحة في العالم".


تم بناء التحفة الهندسية جسر ماغديبورغ Magdeburg Water Bridge، عند ضواحي مدينة ماغديبورغ، إنها عاصمة ولاية "ساكسونيا-أنهالت"، حيث الكاتدرائية الشهيرة التي يصلي فيها المؤمنين بالمسيحية منذ أكثر من ثمانية قرون، عندما بنيت في عصر الإيمان.

 

ماغديبورغ التي تقع بالقرب من العاصمة الألمانية برلين، تعد مركزا تجاريا هاما منذ مئات السنين، ففيها كانت تلتقي القوافل التجارية، وهي اليوم تتمسك بأمجاد الماضي عبر جسرها المائي الفريد.


إذ يربط جسر ماغديبورغ المائي بين قناتين مهمتين للشحن البحري في ألمانيا، هما قناتي "هاڤل" و"ميتلاند"، مارا فوق مناطق يابسة، وكذلك فوق مياه "نهر إلبه" Elbe River، ستسير السفن عبر جسر ماغديبورغ لتصل لذات النهر ذهابا إيابا.


بذلك، يشمل جسر ماغديبورغ رابطا حيويا بين شرق وغرب ألمانيا، ويجعل السفن قادرة علي التنقل بين تلك القناتين بشكل مباشر وأسرع باختصار كبير للمسافات. 


خريطة توضح فائدة جسر ماغديبورغ المائي، فالنقاط الحمراء تبين الطريق الطويل الذي كان علي السفن الابحار من خلاله سابقا، بينما تشير النقاط باللون الأصفر الطريق الجديد المختصر، Jörg Schönebaum, Permission is granted under the terms of the GNU Free Documentation License, Version 1.2 or any later version published by the Free Software Foundation


فبدلا من حاجتها قديما لدخول نهر إلبه ثم الخروج منه مجددا، والذي كان أمرا يستغرق وقتا وجهدا، خصوصا مع اختلاف ارتفاعات المياه بين القناتين والنهر، ووجود عثرات في الملاحة كانت تواجه المراكب النهرية بين الحين والآخر، وخصوصا حالة انخفاض منسوب ماء النهر، ما كان يجبرها علي التوقف عن الابحار.


القفل:


لمواجهة مسألة ارتفاع منسوب مياه قناة ميتلاند، تم بناء قفل مزدوج، يسمح للسفن أن تنزل لمستوى مياه قناة هاڤل.


لكن كيف يتم ذلك؟...


ببساطة يتكون القفل، والذي يستخدم لتسهيل الملاحة في الأنهار والقنوات من بوابات علوية يدخل منها الماء إليه، وبوابات سفليه لتصريف المياه، وبذلك اذا احتاجت السفينة لمنسوب عالي أو منخفض من المياه يمكن التحكم به من خلال هذه الأقفال.


فماذا عن حالتنا في قناة جسر ماغديبورغ المائي والذي تحتاج فيه السفن للارتفاع أحيانا اذا كانت تتجه نحو قناة ميتلاند، والانخفاض احيانا اذا كانت وجهتها قناة هاڤل.


في البداية تدخل السفينة إلي القفل، ثم يتم اغلاق البوابات السفلية للقفل، فتتوقف المياه عن التدفق من خلالها إلي الجهة المقابلة، ثم يتم فتح البوابات العلوية للقفل، ويبدأ الماء في ملء القفل، وتدريجيا تجد السفينة نفسها ترتفع مع ارتفاع منسوب الماء داخل القفل، وتستطيع عبوره بعدما يتم غمره كلية بالماء.


والعكس صحيح حينما تحتاج السفينة لخفض منسوب الماء، اذا كانت تأتي في الاتجاه المعاكس.


كل هذا ليسمح بمرور سفن الشحن بينهما، ما يمثل دفعة كبيرة لحركة نقل الشحنات والبضائع في دولة يقوم اقتصادها علي التصدير إلي الخارج بشكل كبير، ولا نغفل كذلك حجم التجارة الداخلية والاستهلاك المحلي الضخم.


بخلاف هذا، يمثل جسر ماغديبورغ رابط هام بين المراكز الصناعية والتجارية في البلاد، فهناك شركات صغيرة ومتوسطة تصنع أشياء تحتاجها الشركات العملاقة لإنتاج الأشياء الكبيرة كالطائرات والسفن والغواصات والسيارات، وغيرها.


جسر ماغديبورغ يؤدي كذلك لوصول السفن بسهولة من وإلي قلب "وادي الرور" الصناعي في البلاد. كما يربط ميناء برلين الداخلي ببقية الموانئ علي طول نهر الراين.


جسر ماغديبورغ المائي، صورة من
Flickr, Pierre Lesage - منع الاشتقاق 2.0 عام (CC BY-NC-ND 2.0)


وبلغة الأرقام، فإن جسر ماغديبورغ المائي يستطيع استقبال سفن الشحن النهري ذات حمولات تصل إلي ١٣٥٠ طن للسفينة الواحدة، هذا الرقم يعادل حمولة ٥٠ شاحنة.


لذا فإن هذه القناة واحدة من شرايين الاقتصاد الألماني الرابع عالميا.... وكانت مجلة "فوربس" الأمريكية قد اعدت تقريرا عن جسر ماغديبورغ المائي في مارس ٢٠١٢، أشارت فيه إلي أن العديد من التقارير الإخبارية تقول أن الجسر هو أكبر جسر مائي في أوروبا.


جسر يحكي تاريخ أمة:


الملهم في جسر ماغديبورغ ليس فقط العبقرية الهندسية التي صنعته من أجل الرخاء الاقتصادي، بل ارتباطه بقصة إصرار عجيبة امتدت طوال القرن العشرين تقريبا.


فرغم أن المشاريع العامة الكبرى تشتهر بامكانية استغراقها وقتا أطول من المتوقع، إلا أن جسر ماغديبورغ، استغرق الكثير من عمر ألمانيا في القرن العشرين.


فمع مطلع ثلاثينيات القرن العشرين، كانت ألمانيا تسعي لاستعادة قوتها من جديد، بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، وانهيار الإمبراطورية الألمانية، وخصوصا مع وصول هتلر للحكم عام ١٩٣٣، وحينها تم التفكير في قناة جسر ماغديبورغ، وبالفعل بدأ العمل علي شق قناة لوصل المياه.


تجدر الإشارة هنا، إلي أن بعض المصادر تعيد تاريخ بدأ العمل علي بناء جسر ماغديبورغ إلي عصر الإمبراطورية الألمانية ذاتها، وبالتحديد عام ١٩٠٥، وبعضها يقول أنه كان في العام ١٩١٩، مباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى.


لكن، وعلي أي حال، فمهما كان تاريخ البدء، فإن القناة والجسر لم يكتب لهما الاكتمال، خصوصا مع اندلاع معارك الحرب العالمية الثانية عام ١٩٣٩، ثم زاد الطين بلة هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية عندما وضعت أوزارها عام ١٩٤٥.


حينها، وعوضا عن جسر مائي يربط بين شرقها وغربها، انقسمت ألمانيا ذاتها إلي دولتين، ألمانيا الشرقية التي دارت في فلك الاتحاد السوفيتي، وألمانيا الغربية التي تحالفت مع الغرب.


وبرغم من أن ألمانيا الغربية حققت نهضة اقتصادية سريعة ومذهلة، وامتلكت عباءة مالية تجعلها قادرة علي تحمل تكاليف المشروع، إلا أن المنازعات السياسية حالت دون ذلك، وزاد عليها أن حجم التبادل التجاري بين ألمانيا الشرقية والغربية حينها، لم يكن ذو شأن يدفع للتفكير في انفاق المال علي مشروع كهذا.


حتى اتي التاسع من نوفمبر عام ١٩٨٩، كان الألمان في الشرق قد ملوا وضجروا من الحكم السوفيتي، فلم يعد يردعهم مئات الآلاف من الجنود السوفييت، ومعهم الطائرات والدبابات والمدفعية الذين كانوا يتواجدون في ألمانيا الشرقية حينها، فانطلقوا وحطموا جدار برلين، وكان ذلك اعلانا لا ريب فيه بأن الحرب الباردة قد انتهت بانتصار غربي واضح.


وفي الثالث من أكتوبر عام ١٩٩٠، تم اعادة توحيد ألمانيا بشكل رسمي، لتقوم جمهورية ألمانيا الاتحادية.


حينها، بدأت ألمانيا تتصرف من جديد كدولة واحدة، واعيد فتح ملفات مشاريع قديمة وهامة، كان من أبرزها جسر ماغديبورغ المائي، فتم توفير الاعتمادات المالية "تقدر قيمة المشروع ب٥٠١ مليون يورو"، وصدرت الموافقات اللازمة لبدأ المشروع، وانطلق المهندسين والعمال الألمان مجددا عام ١٩٩٧، ليعيدوا الحلم الذي تأخر كثيرا.


أخيرا، وفي أكتوبر من العام ٢٠٠٣، حقق المهندسين الألمان حلمهم، وتم افتتاح جسر ماغديبورغ المائي، لتبدأ منذ ذلك الحين حركة سفن لم تتوقف، حركة سفن كما وصفها وزير النقل الألماني "مانفريد ستولب" يوم افتتاح الجسر بأنها مستمرة، آمنة، وصديقة للبيئة.


التصميم:


يتكون جسر ماغديبورغ من جزئين رئيسيين:

-جسر الشاطئ.
-الجسر الرئيسي.


وهذه هي أهم المواصفات الفنية لهذا الجسر الفريد:


جسر ماغديبورغ
Author: Olivier Cleynen, This file is licensed under the Creative Commons Attribution 4.0 International license. 

  • الطول: ٩١٨ متر. (٦٩٠ متر منها فوق الأرض، ٢٢٨ متر فوق الماء).
  • المسافة القصوى بين دعائم الجسر التي تحمله عند المنتصف: ١٠٨ متر.
  • "هذه المسافة يتم تحديدها بعد دراسات هندسية، لتكون دعائم الجسر قوية بما يكفي لحمله، وحمل الأحمال التي ستمر عليه، وعادة ما تكون المسافات بين الدعائم قصيرة قدر الإمكان".
  • الوزن الإجمالي: ٢٤٩٠٠ من الفولاذ.
  • تم استخدام ٦٨٠٠٠ متر مكعب من الخرسانة لبناء الجسر.
  • عرض الحوض الذي تمر فيه السفن: ٣٤ متر.
  • ارتفاع الجسر عند أعلى نقطة له: ٨،١٥ متر.
  • العرض: ٣٤ متر (١١٢ قدم).
  • غاطس المياه: ٤،٢٥ متر (١٣،٩ قدم).


السياحة عند جسر ماغديبورغ:


اذا ما كنت سعيد الحظ، وقمت بزيارة ألمانيا ذات يوم، فإن جسر ماغديبورغ يوفر لك الكثير من المشاهد الخلابة التي تجذب أعداد غفيرة من السياح لرؤيتها، والصعود للسير علي طرفي الجسر حيث تجد السفن تبحر بجوارك مباشرة.


لذا قد تكون رحلة لزيارة جسر ماغديبورغ واحدة من أكثر رحلاتك سعادة وحماس.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -