زدني معرفة

ليو شياوبو.. الرجل الذي حصل علي نوبل وهو في سجون الصين

 بربطة عنق، وبدلة رسمية أنيقة، جري البروتوكول أن يتسلم الفائزون بجائزة نوبل للسلام جوائزهم.

لا غرابة في ذلك، فنحن نتحدث عن أهم جائزة عالمية في مجالات متنوعة من العلوم، الاقتصاد، والسلام.

ليو شياوبو، الصورة الأصلية من مؤسسة جائزة نوبل، بعدسة بي يمين  


لكن رجل اسمه "ليو شياوبو"، صيني الجنسية، كان استثناء لتلك القاعدة.


الميلاد:


منتصف الخمسينيات في القرن العشرين، استتب الأمر والحكم للحزب الشيوعي في الصين بقيادة "ماو سي تونغ"، كان الرجل القادم بفكر شيوعي قح، حمل السلاح ضد منافسيه من الصينيين للوصول للحكم، تماما كما حمل السلاح ضد اليابانيين لطردهم من بلاده.


في ذلك الجو، وبالتحديد في الثامن والعشرين من ديسمبر عام ١٩٥٥، ولد "ليو شياوبو" في تشانغتشون، بمقاطعة جيلين.


انخرط شياوبو في التعليم حتى تخرج من جامعة جيلين عام ١٩٨٢ بعدما درس في صفوفها الأدب والفلسفة، ثم تابع دراسته في جامعة بكين، وسرعان ما حصل علي درجه الدكتوراه عام ١٩٨٨، ليصبح محاضرا في الجامعة.


في غضون ذلك، كان ليو شياوبو قد أثبت نفسه بالفعل كناقد أدبي غزير الإنتاج، ومثقف، وبحلول عام ١٩٨٦، أي قبل حصوله علي درجة الدكتوراه، كان ينظر إليه باعتباره ناقد لاذع للأدب الصيني الحديث، كما قام بجولة محاضرات بصفة "محاضر زائر" في عدة جامعات في النرويج والولايات المتحدة الأمريكية عامي ١٩٨٨-١٩٨٩، ليعود للصين التي كانت علي موعد مع حدث مفصلي هام.


تيانانمن:


كانت احتجاجات ساحة تيانانمن التي وقعت في الفترة بين ١٥ أبريل/ نيسان ١٩٨٩ و٤ يونيو/حزيران من نفس العام، أخطر حدث شهدته الصين خلال سنوات الحزب الشيوعي المائة في الحكم.


فبعد عشر سنوات من بدأ سياسة الإصلاح والانفتاح الاقتصادية، بدأ الناس يتطلعون للإصلاح والانفتاح السياسي أيضا.


خرج المطالبين بالديمقراطية للتظاهر وعلي رأسهم الطلبة الجامعيين، تمسكوا بمواقعهم في الساحة الهامة في قلب بكين التي اختارها ماو سي تونغ ليعلن منها قيام جمهورية الصين الشعبية عام ١٩٤٩.


رجل الدبابة، هكذا سمي ذلك الرجل مجهول الهوية، الذي وقف بمفرده ليمنع رتل دبابات تي-٥٩ من التحرك، الصورة الأصلية  Stuart Franklin / Magnum Photos

ظهرت العديد من الصور المؤثرة مثل صورة الرجل الذي وقف أمام رتل من الدبابات بمفرده يمنعه من المرور نحو الساحة، لا يعرف مصير هذا الرجل المجهول حتى اليوم، بين رواية اعتقاله، ورواية أخرى أنه عاد لمنزله في سلام بما كان يحمله من أكياس.


في تلك الأحداث، بدأ نجم ليو شياوبو في اللمعان، كأحد الأساتذة الجامعيين القلائل الذين انضموا للطلبة، بل وقادوا هذا التحرك، كما اشترك في اضطراب جماعي عن الطعام امتد لمدة أسبوع، نفذه قادة الاحتجاجات.


لم ينفض هذا الجمع الا بتدخل عنيف للغاية من قوات الجيش الصيني، وصل للدفع بعشرة آلاف جندي مدعومين بالدبابات والمدرعات، وبالطبع كانت النتيجة دموية طوال ذلك اليوم وحتى صباح اليوم التالي.


حتى يومنا هذا، لا يوجد إحصاء دقيق عن عدد القتلي، وإن تحدثت بعض المصادر عن كون الرقم قد وصل لالاف القتلى في الرابع من يونيو ١٩٨٩.


شكلت الحادثة دافعا للحزب الشيوعي الصيني علي تسريع عجلة تطوير الاقتصاد أكثر، والأهم هو ايصال فوائد ما تحقق من نهضة اقتصادية إلي المواطنين الصينيين ليشعروا بتحسن حياتهم، علاوة علي ذلك، زادت القبضة الأمنية الصينية احكاما، وحتى يومنا هذا ستجد رقابة شديدة في الصين علي من يبحث حتى علي الإنترنت علي أي كلمات لها دلالة أو علاقة بما جري في تيانانمن.


أما بالنسبة لليو شياوبو، فلقد عرف مرارة السجن لأول مرة في حياته، اذ تم إلقاء القبض عليه مباشرة في يوم السادس من يونيو، وسجن لمدة ٢١ شهرا، كعقوبة علي مشاركته في أحداث ميدان تيانانمن.


الاعجوبة:


كان ليو شياوبو اعجوبة حقيقية، فبعيدا عن ما اذا كنت معارضا لمواقفه، أو متحيزا لها، فأنت تتحدث عن رجل جمع بين كونه ناقدا أدبيا، أستاذا جامعيا في جامعة بكين، وناشط في مجال حقوق الإنسان.


كتب كثيرا عن المجتمع والثقافة الصينية، لكن الأهم من كل ذلك، أنه استطاع أن ينتقد النظام الحاكم في الصين.


وفي بلد كالصين، يحكم بنظام الحزب الواحد، ولايزال يحتفظ بتقاليده الموروثة علي مدار ١٠٠ عام منذ تأسيسه عام ١٩٢١، ومن أهمها التصدي الصارم للمعارضة، كان ليو شياوبو يحتاج للكثير من الشجاعة ليوجه سهام النقد ويطالب باصلاحات ديمقراطية.


الأكثر من هذا، أنه طالب بالمساس بقدس أقداس منظومة الحكم في الصين. وهي أن البلاد يحكمها حزب واحد، هو الحزب الشيوعي الصيني، الذي يدور في فلكه كل شيء، فالحزب في الصين هو الدولة، والعكس صحيح.


جاء ليو شياوبو ليطالب بإنهاء هذا النظام، وان يكون في الصين أكثر من حزب يتنافسون جميعا في الانتخابات لنيل ثقة الشعب الصيني وأصوات الناخبين.


لكن ليو شياوبو، لم يكن فقط معارضا بقلمه، لقد تجسد فيه خطر تكرار نموذج ساحة تيانانمن مجددا، كان بقاءه كناقد يعني ببساطة بقاء ذكري الميدان حية ولو في صورة رجل واحد، ومع بقائها حية، فقد تعيد التشكل في الساحة مجددا.



مجددا القي القبض علي ليو شياوبو عام ١٩٩٦، بسبب مطالباته المتكررة بالافراج عن من ظلوا محتجزين في السجون منذ القبض عليهم عقب احتجاجات ساحة تيانانمن، هذه المرة تم إرساله إلي "معسكر عمل"، إنه مؤسسة عقابية في الصين، يتم إرسال الناس إليها للمشاركة في العمل والإنتاج، ليمضوا بداخلها فترة العقوبة بدلا من السجون.


اختتم ليو شياوبو عجائبه، بأنه لم يكن الصيني الأول الذي ينال جائزة نوبل للسلام عندما حققها عام ٢٠١٠، بل حققها وهو "مسجون".


وهكذا، ظل ليو شياوبو لأكثر من عشرين عاما، متمسكا برأيه، ويرد علي كل اتهامات السلطات الصينية المتعاقبة بأن عليها الامتثال للمادة ٣٥ من الدستور الصيني، التي تنص على تمتع مواطني البلاد "بحرية الكلام، والصحافة، والتجمع، وتكوين الجمعيات، والمواكب والتظاهر".


""أنت مثل الريح التي لم تخبرني أبدًا إلى أين تتجه! عندما تأتي تمتلئ عيني بالدموع. وعندما تغادر تترك حبيبات الرمل"".
من خطاب أرسلته عام ١٩٩٢، السيدة ليو شيا وهي شاعرة صينية، ستصبح زوجة ليو شياوبو فيما بعد.


ربع العمر:


قد تسمع أحيانا من يقول (ادفع نصف عمري، ادفع ربع عمري...)، ليبين أهمية الأمر لديه إلي درجة أن يتنازل عن تلك الفترة من حياته في سبيله. ولكن الأمر في النهاية لا يعدو سوي "مبالغة لغوية".


لكن ليو شياوبو فعل ذلك حرفيا، لقد دفع ربع عمره وراء القضبان في السجون الصينية، أو رهنا للاعتقال في منزله، ثمنا لمواقفه. وفي الوقت الذي كان يمضيه خارج السن، لم يكن حرا، لقد خضع علي الدوام لاجراءات مراقبة صارمة من أجهزة الأمن الصينية.


ولمزيد من التراجيديا، أصيب ليو شياوبو بمرض سرطان الكبد، واعتقلت زوجته هي أيضا، وتم وضعها رهن الإقامة الجبرية في منزلهما، لكنه لم يتنازل عن رأيه. وعندما مات، كان قد امضي قبل الوفاة ثمانية سنوات ونصف تقريبا رهن الحبس.


نوبل للسلام:


"لنضاله الطويل، وغير العنيف، من أجل حقوق الإنسان الأساسية في الصين".


كرسي البروفيسور ليو شياوبو فارغا في احتفال توزيع جوائز نوبل عام ٢٠١٠، الصورة الأصلية من رويترز


بهذه العبارة، أوضحت الأكاديمية الملكية السويدية دافعها لإعطاء جائزة نوبل للسلام للسيد ليو شياوبو من الصين في العاشر من ديسمبر عام ٢٠١٠.


عندما تم ذلك الاعلان، كان ليو شياوبو يمضي ليلته حبيسا في سجن جينتشو بالصين، يقضي عقوبة بالسجن لمدة ١١ عامًا بسبب ما وصفته بكين بـ"التحريض على تقويض سلطة الدولة".


في تلك الليلة، وقفت الممثلة النرويجية الشهيرة "ليف أولمان"، تقرأ جزءا من خطاب اعده ليو شياوبو لمحاكمته عام ٢٠٠٩، جاء فيه:

(("أنا متمسك بالقناعات التي أعربت عنها في إعلان يونيو الثاني للإضراب عن الجوع"، قبل عشرين عامًا -انا ليس لدي أعداء ولا أشعر بكراهية تجاه أحد، لم اعتبر أي من رجال الشرطة الذين كانوا يراقبونني، ويقبضون علي، ويستجوبوني، ولا أحد من المدعين الذين وجهوا لي الاتهامات، ولا أحد من القضاة الذين حكموا عليّ، لم اعتبر أحدا من هؤلاء عدوا لي)).


الابن الضال:


يعد ليو شياوبو، وفقا للحزب الشيوعي الحاكم في بكين، ووسائل الإعلام الصينية، ابنا ضالا، ضل الطريق نحو الغرب.


جلوبال تايمز، احدي أهم صحف الحزب الحاكم، وصفته حين وفاته في صدر افتتاح عددها "بالبيدق الغربي"، -البيدق هو الجندي في لعبة الشطرنج-، في نوع من الإشارة للرجل بأنه كان مجرد قطعة شطرنج يحركها الغرب كما يشاء، لاستغلاله في الصراع السياسي والفكري مع الصين.


كان العنوان كاملا يومها "ليو شياوبو ضحية أضلها الغرب"، وكأن الصحيفة أرادت وصفه بالمضلل به بواسطة الدول الغربية. 


عندما تحدثت الصحف الصينية عن ليو شياوبو لأول مرة عقب وفاته، تناولته كشخص تم خداعه من الدول الغربية


ولأنه بيدق، أضعف القطع علي رقعة الشطرنج، ولأنه مات، فببساطة رأت الصحيفة الصينية أن أثره "سيتلاشي سريعا".


كان من الغريب أصلا ذكر ليو شياوبو علي صفحات الجرائد والمجلات الصينية، لذا فلقد تم تفسير ما ورد في افتتاحية تلك الصحيفة الهامة، كونها رغبة من المسئولين الصينيين لإعطاء توجيه للرأي العام الصيني، خصوصا أن خبر الوفاة قد لاقي رواجا واسعا في الصحافة الغربية، وعلي منصات التواصل الاجتماعي مثل تويتر، المحظور في الصين.


النهاية:


في الخميس الموافق الثالث عشر من يوليو عام ٢٠١٧، وعقب عودة الرئيس الصيني "شي جين بينغ" من زيارة خارجية شملت روسيا وألمانيا، ومشاركته في قمة دول مجموعة العشرين الكبرى.


وفي شنيانغ بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين، وعقب نقله إلي المستشفي بعد تدهور حالته الصحية نتيجة مرض سرطان الكبد الذي كان يعاني منه.


في ذلك اليوم، أخبر الأطباء جنود الحراسة الواقفين أنه ومصابا بفشل في العديد من أعضاء جسده، قد رحل عن ٦١ عاما، من اعتبره حكام بلاده خائنا يستحق العقاب، ومن وصفه الغرب بالمنشق عن النظام الشيوعي في الصين. مخلفا ورائه وابلا من الانتقادات الدولية للحكومة الصينية بسبب سوء معاملتها له.


بينما كانت بكين تحرك كتفها غير آبهة، فهو في نظر القانون مجرم كان يمضي عقوبة.


لكن المؤكد وسط كل ذلك، أن ليو شياوبو كان رجلا استثنائيا بكل ما تحمل الكلمة من معانى، اختار حتى في موته أن يواصل عجائبه، فبموته في الحجز، أصبح أول فائز بجائزة نوبل للسلام يموت في الحجز منذ الألماني (كارل فون أوسيتسكي) الحائز علي الجائزة سنة ١٩٣٥، ثم توفي وهو رهن المراقبة بعد سنوات أمضاها في الحبس في معسكرات النازيين.


في التاسع من أغسطس من العام التالي ٢٠١٨ تم الإفراج عن زوجته، خرجت الشاعرة ليو شيا بعدما فقدت زوجها، شاحبة الوجه، ترتدي نظارة طبية، ويبدو أنها قد قصت شعرها، سمح لها فيما بعد بمغادرة البلاد.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -