زدني معرفة

تأثير إجراءات الصين علي سعر البيتكوين.. وما التحديات التي تواجه مستقبل البيتكوين

 تجلب أمطار الربيع السنوية العديد من التغييرات في مقاطعة سيتشوان بجنوب غرب الصين، إذ تكشف هذه الأمطار الغزيرة، ما يختبئ داخل المناظر الطبيعية الجميلة هناك من أحجار الزمرد الكريم.


تتفتح أزهار الأزاليات، وتبدأ طيور اللقلق والرافعات المهاجرة رحلة العودة الطويلة نحو الشمال، كل تلك الأشياء أمور طبيعية منذ مئات السنين.


لكن هطول الأمطار فوق سيتشوان بدأ منذ عدة أعوام، يشهد حضور قادمين جدد، إنها شاحنات مكدسة بأجهزة الكمبيوتر التي تأتي للمقاطعة التي تتعدد فيها السدود التي تنتج الطاقة الكهرومائية. 


عملة البيتكوين، الصورة الأصلية من صور غيتي


بفضل تلك السدود، تأتي هذه الشاحنات إلي سيتشوان خصيصا من أجل الاستفادة من الكهرباء الرخيصة السعر هناك، وتبدأ في استخدام أجهزة الكمبيوتر للتعدين واستخراج عملة البيتكوين.


التعدين.. تلك العملية الغامضة التي تجمع العملة المشفرة البيتكوين باستخدام كميات هائلة من قدرات الحواسيب لحل المعادلات.


نحل يطارد الأزهار:


"نحن مثل النحل.. يطارد الأزهار"، هكذا قدم السيد تانغ وان لونغ رئيس مجلس إدارة شركة تعدين البيتكوين "سيتشوان ديو تكنولوجي"، Sichuan Duo Technology Co.Ltd، وصفا لطريقة عمل شركته، في حديثه لمجلة التايم الأمريكية.


كان السيد تانغ يتحدث من مكتبه في تشنغدو، إنها عاصمة مقاطعة سيتشوان حيث يحدث كل شيء.


ورقميا، لدي الصين حوالى ٧٥٪ من قدرات أجهزة الكمبيوتر التي تقوم بالتعدين لجمع عملات البيتكوين في العالم بأسره، أو ما يسمي ب "معدل التجزئة"، الذي يشار إليه بالانجليزية بمصطلح "hashrate".


إنه إجمالي القوة الحسابية التي يتم استخدامها لتعدين ومعالجة المعاملات، بمعنى أبسط فإن معدل التجزئة أو "الهاش ريت"، هو معدل قوة معالجة شبكة البيتكوين. وهكذا فلدي الصين ٧٥٪ من قوة معالجة شبكة البيتكوين في العالم.


يرجع السبب وراء امتلاك الصين بمفردها لكل تلك النسبة، أنها تمتلك شركات راسخة في التكنولوجيا، تنتج أجهزة حاسوب متطورة بشكل منتظم، بخلاف هذا، فالكهرباء حيث يعملون في سيتشوان، سعرها رخيص للغاية.


هكذا يبدو المشهد داخل مراكز تعدين البيتكوين، صورة من   مصنع "بيت ماينر" في مدينة فلورنسا، إيطاليا، ٦ أبريل ٢٠١٨، الصورة الأصلية من رويترز / بعدسة أليساندرو بيانكي 


ذلك لأن تعدين العملات المشرفة مثل البيتكوين، يتطلب حواسيب ذات قوة كبيرة، لكنك اذا اردت أن تشغل كمبيوتر بقدرات عالية صالحة للتعدين، فأنت تحتاج لدفع فاتورة كبيرة للكهرباء، وهذا ما يجعل نفقات الكهرباء، احدي النفقات الرئيسية لهذه الصناعة خارج الصين، بينما من يقوم بالتعدين في الصين، وبالأخص في سيتشوان، فإنه يتمتع بالتخفيضات الكبيرة في أسعار الكهرباء.


موسم التعدين:


في فصل الصيف، عندما تكون الأمطار غزيرة فوق سيتشوان، يكون هذا هو موعد موسم العاملين في مجال تعدين العملات المشفرة، وعلي رأسها البيتكوين، فمحطات إنتاج الطاقة الكهرومائية المعتمدة علي السدود، تنتج الكهرباء بكميات أكبر، كنتيجة طبيعية لتفريغ السدود مياهها، استقبالا للمياه الجديدة القادمة مع موسم الأمطار.


عامل آخر بجوار وفرة إنتاج الطاقة الكهرومائية، يجعل سعر الكهرباء أرخص، ويجعل سيتشوان زهرة يطاردها نحل المنقبين عن البيتكوين وغيرها من العملات المشفرة.


إن محطات إنتاج الكهرباء هناك تقع في مناطق نائية، يجعل من الصعب توصيل الطاقة المنتجة منها بالشبكة الكهربائية الوطنية لعموم الصين، وبالتالي، تجد هذه المحطات في تلك الشاحنات القادمة إليها بالحواسيب، زبائن جيدين، سيشترون الكهرباء ولو بربح بسيط.


عمال يعملون على بناء منشأة للطاقة الكهرومائية في موقع بناء محطة باييهتان للطاقة الكهرومائية، في منطقة ليانغشان  يي ذاتية الحكم في مقاطعة سيتشوان، الصين، الصورة الأصلية ملتقطة في ٢٨ مايو ٢٠١٩. رويترز / سترينجر


الحكومات المحلية في سيتشوان تقدم الكهرباء بأسعار ضئيلة إذن، لكن الأدهي أن بعضها قدمها أحيانا بالمجان... نعم قدموها لشاحنات التعدين بالمجان، فقط لان قدومهم إلي تلك المناطق، يخلق فرص عمل للسكان فيها، فهؤلاء سيحتاجون للمطاعم، للمتاجر، للصيدليات، ولغيرها من الأمور التي يحتاجها الناس دوما، وبالتالي سيقدمون عملا للناس، ويدفعون لهم المال.


وفي دولة مركزية مثل الصين، تؤول فيها مقاليد الأمور في النهاية لقيادات الحزب الشيوعي الصيني في بكين، وعلي رأسها العملاق "شي جين بينغ"، الأمين العام للحزب، ورئيس الدولة، يكون من المهم للحكومات المحلية أن تعزز أرقام ناتجها المحلي الإجمالي التي تقدم كل عام لبكين.


يصف السيد تانغ وان لونغ، كل هذه التسهيلات بقوله: ((سوف تتدفق هذه المياه بعيدا، لذا فبدلا من اهدارها، نقوم باستخدامها من أجل الصين)).


رفض حكومي:


لكن وعلي ما يبدو، فقد اتضح أن الحكومة الصينية لا توافق علي هذا الأمر. ففي مايو الماضي، أشار نجلس الدولة الصيني (يشابه مجلس الوزراء)، إلي شنه حمله على تعدين العملات المشفرة، ومن بينها البيتكوين.


مما تسبب في انخفاض سعر بيتكوين بنسبة ٣٠٪، وألقت هذه الحملة بظلال من الشك علي هذه الصناعة برمتها، سددت بكين ركلة قوية للغاية ضد تعدين العملات المشفرة، افقدتها فيها أكثر من تريليون دولار... نعم تريليون دولار.


حينها، قال نائب رئيس مجلس الدولة الصيني "ليو هى" لمجموعة من المسؤولين الماليين في الصين أن الحكومة "ستضيق الخناق علي تعدين البيتكوين وأنشطة التداول".


تهدف الحكومة الصينية من وراء ذلك لضمان الاستقرار المالي، فمن المعروف عن البيتكوين أنها عملة شديدة الاضطراب صعودا ونزولا، وتتأثر حتى بتغريدات الملياردير الأمريكي الشهير "أيلون ماسك".


لكن الصين بلد عملاق، ويعتقد المحللين أنه قد يستطيع الأفراد العاملين علي التعدين الإلكتروني أن يتسللوا عبر الشقوق، وسيتبقي حينها الشركات التجارية الكبيرة التي تقوم بتعدين العملات المشفرة، والتي من المرجح أن تلجأ لتكوين مراكز تعدين بديلة، تكون أصغر حجما من حيث عدد العاملين، لكنها ستكون أكثر قدرة علي الافلات، والتسلل عبر الشقوق هي أيضا.


في الأسبوع الماضي، بدأت عدد من الشركات المشاركة في تعدين العملات المشفرة في وقف عملياتها في الصين.


صورة من داخل مصنع كامل مخصص للتعدين عن البيتكوين، الصورة الأصلية من أ ف ب


لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل وصلت ارتدادات التصريحات الحكومية الصينية إلي "بورصة العملات الرقمية"، والموجودة في مقاطعة هوبي الصينية، فاتخذت قرارا بتعليق خدامات التداول فيها تجنبا لخسائر مهولة متوقعة.


في نفس الوقت، قالت HashCow، وهي مالك أكبر مزرعة تعدين عملات رقمية مشفرة في العالم، إنها ستتوقف عن بيع المعدات التي تحتاجها عمليات التعدين لعملائها في الصين. وقالت في بيان لها أنها: "ستدعم جميع أنواع القوانين واللوائح في الدولة".


النحل يتقاعد:


نعود مجددا لصديقنا تانغ وان لونغ رئيس مجلس إدارة شركة تعدين البيتكوين "سيتشوان ديو تكنولوجي"، Sichuan Duo Technology Co.Ltd، والذي وصف نفسه بالنحلة التي تبحث عن رحيق الزهور من قبل.


لقد عرض السيد تانغ أجهزة التعدين الخاصة به للبيع علي منصة التواصل الاجتماعي الشهيرة في الصين وي تشات "Wechat".


بينما اعلن السيد "جيانغ زوير"، الذي يشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة "BTC.TOP"، والتي تملك أكثر من ١٨٪ من "معدل التجزئة" في الصين، الذي يشار إليه بالانجليزية بمصطلح "hashrate"، والذي أوضحنا أنه اجمالي قوة أجهزة الكمبيوتر التي يتم استخدامها لتعدين ومعالجة المعاملات.


اعلن أن شركته ستعلق جميع عملياتها المحلية في الصين، وأنها ستحول عملها في تعدين العملات المشفرة إلي سوق أمريكا الشمالية بدلا من الصين. وكتب علي حسابه علي موقع التواصل الاجتماعي الشهير في الصين ويبو "Weibo"، ليشرح سبب ذلك القرار: (لا يستحق الأمر أن نقوم بالمخاطرة).


الخسائر البيئية للعملات المشفرة:


لقد كان الدافع الذي تحركت من أجله الحملة الحكومية الصينية بشكل مفاجيء ، هو الطبيعة المتقلبة لأسعار العملات المشفرة وخصوصا البيتكوين، والتي لا تعتمد علي أيا من معايير تحديد أسعار العملات التقليدية، بل تتأثر بالتخمينات، وتغريدات المشاهير علي تويتر.


لذا، اتسم رد فعل الحزب الشيوعي الصيني (CCP) بالنفور الشديد من القيام بهذه المخاطرة، أو أي شيء يخرج عن سيطرة الحزب.


لكن ما زاد من تعقيد الأمور، هو الخسائر البيئية الهائلة التي تنتج عن تعدين العملات المشفرة مثل بيتكوين، مما يقوض تحقيق الوعد الطموح الذي قطعه الرئيس الصيني "شي جين بينغ" بجعل الصين محايدة للكربون بحلول عام ٢٠٦٠.


السيد شي جين بينغ، الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني، ورئيس الصين، الصورة الأصلية من: آلان سانتوس / بي آر / رومان كوبانسكي (ويكيميديا ​​كومنز)


فالصين، التي ينظر إليها عالميا باعتبارها دولة من أكبر الدول المسببة للانبعاثات الحرارية في العالم، تسعي لأنها في سنة ٢٠٦٠، ستكون دولة محايدة للكربون، بمعني أنها ستحسب انبعاثات الكربون التي ستنطلق منها، وستقوم باجراءات لسحب كربون من البيئة بنفس الكمية، بداية من زراعة الأشجار، ووصولا لإنتاج الطاقة بمصادر لا تنتج كربون، كطاقة كالرياح أو الشمس.


فقبل قيام الحكومة الصينية بهذه الحملة ضد تعدين العملات المشفرة وأبرزها البيتكوين، كان من المتوقع أن ينتج عن تعدين البيتكوين في الصين فقط، أكثر من ١٣٠ مليون طن متري من انبعاثات الكربون بحلول عام ٢٠٢٤، وذلك وفقا لدراسة علمية نشرتها مجلة نيتشر البريطانية العلمية المرموقة "Nature Communications".


فلو تخيلنا أن صناعة تعدين البيتكوين علي مستوي العالم هي دولة، فإنها ستحتل المرتبة التاسعة والعشرين من بين أكبر الدول المستهلكة للطاقة في العالم، متفوقة علي دولة مثل الأرجنتين التي يبلغ عدد سكانها حوالى ٤٥ مليون نسمة.


بينما يستفيد العاملين في تعدين البيتكوين وباقي العملات المشفرة في أشهر الصيف من مصادر الطاقة الكهرومائية المستدامة بفضل الأمطار الغزيرة التي تسقط فوق سيتشوان، فإن الوضع في الشتاء يتبدل تماما، ففصول شتاء الصين قاحلة، لا مطر فيها.


مما يعني أن العاملين في تعدين البيتكوين، الحريصين علي تحقيق نفس مستويات الربح، سيتوجب عليهم أن يبحثوا عن إمدادات كهرباء بديلة، بأسعار رخيصة كأسعار الكهرباء في سيتشوان في الصيف.


لكن محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لا تستطيع أن تنتج ما يكفي من إمدادات كهرباء ثابتة تكفي لتشغيل الحواسيب والاجهزة التي تقوم بعمليات التعدين علي مدار الساعة.


لذا، غالبا ما يلجأ العاملين في التعدين إلي البديل الوحيد اليسير التكلفة، إنه "الفحم".


رحلة الشتاء:


وكما كان العرب، وخصوصا من قبيلة قريش، قديما يقومون برحلات التجارة في الشتاء لليمن، وفي الصيف نحو الشام، وهو ما ورد ذكره في سورة قريش بالقرآن الكريم.


بنفس الطريقة تقريبا، تنتقل الشاحنات المكدسة بأجهزة الكمبيوتر ومعدات تعدين البيتكوين والعملات المشفرة بعد نهاية فصل الصيف من سيتشوان، وتتجه في رحلة تمتد مسافتها لآلاف الأميال عبر الصين، لتتجه هذه المرة إلي محطات توليد الطاقة في مقاطعة منغوليا الداخلية أو مقاطعة شينجيانغ.


وهنا يتبدل كل شيء، فصناعة تعدين العملات المشفرة، والتي يعتقد البعض أنها واحدة من أكثر الصناعات صديقة للبيئة، والتي كانت كذلك بالفعل في الصيف في سيتشوان، سرعان ما تتحول إلى واحدة من أقذر صناعات الإنسان تلويثا للبيئة، ففي محطات منغوليا وشينجيانغ يتم الاعتماد لتوليد الطاقة علي الفحم، فنصبح أمام حرق كميات كبيرة من الفحم لخلق العملات المشفرة.


وبينما يمكننا أن نعتبر معظم عمليات التعدين عن العملات المشفرة والبيتكوين في الصين "مناطق رمادية" بالنسبة للقانون الصيني، فإن بعضا منها خارج عن القانون تماما.


فعلي سبيل المثال، لدي صديقنا السيد تانغ الذي يصحبنا منذ بداية التقرير قصة ليرويها في هذا الشأن.


تحدث تلك القصة في مقاطعة نينغشيا الفقيرة بوسط الصين، تقوم الحكومة الصينية باعطاء امدادات الطاقة للمقاطعة بأسعار مدعومة، وذلك للتخفيف من علي كاهل السكان هناك، وخصوصا في عمليات زراعة، حصاد، جمع وتغليف "توت غوجي" Goji berries، وهو نوع من التوت يزرع هناك ويحظي بسمعة عالمية في محاربة الشيخوخة.


 بعض ثمار توت غوجي بعد تجفيفها


لذا تري الحكومة أن دعم الناس هناك بالكهرباء اللازمة لانتاجه بأسعار مدعمة، يعتبر جزءا من جهودها لانتشال الناس من الفقر، لكن تلك الكهرباء وجدت طريقها سرا للتعدين عن البيتكوين والعملات المشفرة.


الجذور:


دعونا نتذكر معا، لقد تم ابتكار عملة البيتكوين في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام ٢٠٠٨، علي يد فرد أو مجموعة غير معروفة، عملت تحت الاسم المستعار Satoshi Nakamoto أو "ساتوشي ناكاموتو" باللغة العربية.


جذبت العملة شريحة كبيرة من الناس القلقين في وقت انخفاض قيمة الدولار الأمريكي، سيد عملات العالم، في اعقاب الاجراءات التي اتخذتها البنوك المركزية حول العالم، وما صحبها كذلك من إجراءات انقاذ العديد من البنوك من الإفلاس.


مثلت البيتكوين وقتها بديلا رقميا، خارج عن سيطرة أي مؤسسة أو حكومة، جنبا إلي جنب مع تكنولوجيا البلوك تشين Blockchain أو "سلسلة الكتل" باللغة العربية، وهي السجلات التي ينشأها الجمهور بحواسيبهم من أجل عملية التعدين.


هذه الابتكارات، قدمت وقتها حلا لمشاكل التضخم وعدم المساواة والظلم، وغيرها من المشكلات الاقتصادية التي تنتج عن قيام الحكومات بطباعة كميات ومبالغ ضخمة من المال.


اعتقد الناس أنها عملة خارجة عن سيطرة الحكومات، غير منتبهين لحقيقة انك لكي تحصل علي بيتكوين أو أي عملة مشفرة، تحتاج للكهرباء التي تنتجها الحكومة، وتناسوا حقيقة أن السياسة والمال لا ينفصلان، فاذا زادت انشطة التعدين علي البيتكوين فإن الحكومات ستصدر القوانين التي تنظم ذلك النشاط، أو حتى تحظره تماما.


العاملين بشكل مجال التعدين عن العملات المشفرة يتم دفع أجورهم أساسًا مقابل قيامهم بالعمل كمدققين، يتحققون من شرعية المعاملات، مع السماح بدخول وحدات جديدة من العملة إلى الاقتصاد، لأن كل شخص يمتلك حاسوب قوي، يمكنه البدأ في التعدين والبحث عن العملات المشفرة.


ولك أن تعلم عزيزي القارئ، أن صناعة تعدين العملات الرقمية المشفرة، قد انتجت عملات بقيمة ١،٧ مليار دولار أمريكي في شهر أبريل الماضي فقط.


فالتعدين علي تلك العملات رغم أنه يتم بصورة رقمية وإلكترونية، دون وجود عملات مادية بالفعل في يد الناس، فإنه يحاكي بذلك بعض الخصائص التي يتميز بها الذهب، الذي يوصف بأنه أنجح وسائل التبادل التجاري بين البشر علي مر التاريخ، ولازال يحتفظ بمكانته كأصل من أصول الثروة عالية القيمة بعد مرور آلاف السنين علي بداية التعامل به.


صديقنا السيد تانغ يعتقد أن عملة البيتكوين ستحل محل الذهب في المسقبل، وتفعل ما لم يستطع غيرها فعله، بازاحة الذهب عن عرشه. فوفقا لرأيه -الذي يختلف معه الكثيرين-، اظهرت البيتكوين قدراتها علي اكتساب القيمة، رغم حدوث اضطرابات اقتصادية، مما يجعله من الناحية الكلية يشبه الذهب.

مشكلة التركيز:


إذن، فربما تم ابتكار العملات المشفرة أساسا للتحايل علي سيطرة الحكومات، لكن ثقافة الحكم في الصين، والقائمة أساسا علي السيطرة من أعلي إلي أسفل، سمحت للحكومة الصينية بالسيطرة الناجحة لدرجة كبيرة علي تلك الصناعة.


وحتى في الفترة التي سبقت إجراءات التضييق الأخيرة علي تعدين البيتكوين، لم تدعم بكين أبدا أو تسمح للمؤسسات المالية لكي تقوم بتداول العملات المشفرة.


كل ما فعلته بكين أنها غضت الطرف عن تلك الصناعة، بينما قامت بعض الحكومات المحلية في الأقاليم بتقديم دعم فعلي لأنشطة تعدين البيتكوين والعملات المشفرة،


لكن عندما كان ينجح العاملين في التعدين في الحصول علي العملات المشفرة، كان عليهم استبدالها سرا كأفراد عاديين، عادة في خارج الصين.


مركز للتعدين عن البيتكوين في مقاطعة سيتشوان، الصين في ١٢ أغسطس٢٠١٦
بول راتجي | واشنطن بوست | صور جيتي


ثم أصبحت هذه الحالة صارخة التناقض، فهناك العشرات من شركات التكنولوجيا التي لديها مكاتب فخمة في شينزين وشنغهاي، وهي مقاطعات نشطة اقتصاديا بصورة مذهلة، تدعي أنها تعمل في مجالات الذكاء الاصطناعي، أو معالجة البيانات الضخمة، أو البلوك تشين blockchain للاستخدام التجاري.


في الواقع، فإن هذه الشركات تربح المال من الشاحنات التي يرسلونها بعيدا عن مكاتبهم الفخمة، لتقوم بالتعدين عن العملات المشفرة عند السدود ومحطات الطاقة البعيدة. هكذا يكشف النقاب عن هذا العمل المستتر بواسطة تصريح للمستشار المتخصص في العملات المشفرة نيشانت شارما، مؤسس شركة BlocksBridge Consulting ومقرها بكين، لمجلة التايم الأمريكية.


مجددا:


لقد قامت الصين من قبل بحملة ضد تعدين البيتكوين والعملات المشفرة.


ففي ١٥ سبتمبر ٢٠١٧، أصدرت مجموعة عمل حكومية خاصة في بكين أوامر إلي جميع رؤساء منصات وشركات تعدين البيتكوين والعملات الافتراضية، بالايقاف الفوري لجميع معاملات البيع والشراء في العملات المشفرة، مع التوقف عن تسجيل أي مستخدمين جدد.


وفي منشور له علي موقع التواصل الاجتماعي الشهير في الصين "ويبو"، قال السيد "جيانغ زوير"،  الرئيس التنفيذي لشركة "BTC.TOP"، أنه وفي ذلك الوقت اعلنت أكبر ثلاثة بورصات في الصين عن ذلك القرار، وأصيب سوق العملات المشفرة بذعر الشديد.


في ذلك المساء، انخفض سعر البيتكوين إلى ٣٥٠٠ دولار فقط، كان انخفاضا مريعا من أعلى مستوى بلغ حوالي ٥٠٠٠ دولار، كان قد حققه في وقت سابق من نفس ذلك الشهر الذي اتخذ فيه القرار -سبتمبر ٢٠١٧-.


لكن ما حدث في غضون ثلاثة أشهر كان مذهلا، اذ ارتفع سعر البيتكوين ارتفاعا جنونيا ليصل إلى ٢٠٠٠٠ دولار للبيتكوين الواحدة.


واليوم، وبعدما اعلنت الصين في ٢١ مايو الماضي أنها ستتخذ إجراءات صارمة ضد صناعة البيتكوين، تكرر الامر، وفقد البيتكوين ١٢٪ من قيمته في السوق، ليصل سعره إلي ٣٥٢٦٣ دولار، ولا يزال يحوم حول هذا السعر منذ ذلك التاريخ.


لكن المختلف هذه المرة في الإجراءات ضد التعدين، أنها قادمة من أعلى مستويات الحكم في الصين، ما قد يجعلها أطول أمدا من حيث آثارها، التي لن تتوقف علي حدود الصين.


ببساطة، تتركز معظم نشاطات التعدين علي العملات المشفرة والبيتكوين في دولة واحدة، في الصين التي لديها ٧٥٪ من قدرات التعدين العالمية كما قلنا، وعندما تتخذ تلك الدولة قرارات ضد تعدين البيتكوين والعملات المشفرة، فإنها تمثل تهديدا للصناعة بأكملها.


هذه نقطة ضعف كبيرة في تعدين العملات المشفرة، أن مكانا واحد فقط تركزت فيه معظم القدرات، وبينما تتمثل واحدة من ركائز الأمان الأساسية لتنقنية "بلوك تشين" blockchain، التي تعمل عليها عمليات تعدين البيتكوين في أن المعاملات شفافة للجميع، ويمكن التحقق منها بشكل عام.



لذا، فإنه اذا قام أحد الفاعلين داخل نظام التعدين بافساد كتلة داخل "دفتر الاستاذ"، وهو دفتر رقمي يتم تسجيل المعاملات فيه، فيمكن لأي شخص فاعل في النظام، أن يرى التناقض، ويضع علامة عليه ويصحح الخطأ في السجلات الخاصة به، ويحافظ على النظام، كل هذا دون الحاجة إلى سلطة مركزية.


لكن، ما الحال اذا ما قامت أعداد كبيرة من العاملين في تعدين العملات المشفرة -ربما بأوامر حكومية-، بالتلاعب بطرق معينة بدفتر الأستاذ الذي يسجل المعاملات.


من المحتمل بشكل كبير أن يؤدي ذلك إلي وضع شوكة كبيرة في حلق البيتكوين، أو على الأقل زرع ما يكفي من عدم اليقين لإحداث اضطراب في السوق.


"هذه هي مشكلة أن تضع غالبية "معدل التجزئة"، أو "hashrate" في بلد واحد، ليس فقط لأنه في الصين، بل إن ذلك الامر سينطبق علي اي دولة اذا ما امتلكت معظم القدرة في يدها بمفردها. سيصبح تعدين العملات المشفرة، تحت سيطرة حكومة تلك المنطقة أو الدولة، وهذا مصدر قلق لأي صناعة، ولأي دولة.


خارج الإطار:


خارج إطار التعدين عن البيتكوين، يبدو ذلك السيناريو الصيني أقل إثارة للقلق بشكل ملحوظ.


فعلي سبيل المثال، ادي الازدهار في تعدين البيتكوين في الصين، إلى بذر بذور مشاكل في أسواق أخرى، لأن العاملين في تعدين البيتكوين يحتاجون لبطاقات الرسومات المتطورة في حواسيبهم، هذه البطاقات تحظى بشعبية أيضًا بين لاعبي الكمبيوتر، كما أنها مطلوبة لمعالجة البيانات الضخمة في الشركات الكبرى والمصالح الحكومية حول العالم.


ادي زيادة طلب العاملين في تعدين البيتكوين علي تلك البطاقات إلي ارتفاع أسعار هذه الأجهزة بنسبة ٢٥٪، مما أزعج صناعات الألعاب والذكاء الاصطناعي على مستوى العالم.


بجانب هذا، ففي المناطق التي تكون فيها إمدادات الطاقة غير مستقرة، كانت كميات الطاقة الكبيرة المطلوبة في عمليات تعدين البيتكوين مشكلة أيضا.


في دولة كإيران، دفع انقطاع التيار الكهربائي ونقص الطاقة، الحكومة إلى حظر تعدين العملات الرقمية في ٢٦ مايو الماضي، وحتى داخل الصين نفسها، فعندما حدثت مشاكل في التيار الكهربائي في مقاطعة شينجيانغ في شهر أبريل الماضي، ادي ذلك لانخفاض معدل التجزئة علي مستوى العالم بشكل كبير، مما أدى بدوره لانخفاض قيمة البيتكوين بنسبة ١٥٪.


مستقبل تعدين البيتكوين:


قبل الإجراءات الصينية الحالية تجاه تعدين البيتكوين، كانت الجهود تبذل لجعل صناعة تعدين البيتكوين صناعة نظيفة بيئيا، فبخلاف ما ذكرناه عن احتياج عملية التعدين نفسها لكميات كبيرة من الطاقة، فإن المنصات، الشاحنات، وحتى الغرف التي توضع فيها الحواسيب للتعدين عن البيتكوين، تولد كميات كبيرة من الحرارة، وبالتالي فإن العاملين هناك بل وحتى اجهزة الكمبيوتر نفسها، يحتاجون للمراوح ولأجهزة التكييف، وبدورها تحتاج هذه الأشياء إلي المزيد من الطاقة.


تم اقتراح أفكار مثل أنه من الممكن أن تساعد التطورات التكنولوجية، مثل التبريد السائل لأجهزة الكمبيوتر، في تقليل استهلاك الطاقة.


بينما ذهبت بعض الخطط الأكثر طموحًا، التي قامت بها بعض المدن في مقاطعة شينجيانغ بتجربة استخدام درجات الحرارة المرتفعة التي تنتجها منصات التعدين، لتوفير الطاقة الحرارية للمجتمع.


تم تنفيذ ذلك الاقتراح بالفعل علي مدى السنوات القليلة الماضية، وفقا لما قاله السيد جيانغ وهو كما ذكرنا الرئيس التنفيذي لشركة عاملة في التعدين، في لقاءه مع مجلة التايم الأمريكية. لقد قاموا باستخدام ما مجموعه ٧٠٠٠ كيلوواط لتدفئة المنازل، بينما كان يخططون لزيادتها هذا العام لتصل إلي ١٠٠.٠٠٠، لكن جاءت الإجراءات الحكومية الصينية لتوقف كل هذا.


لكن تأثير التعدين من أجل جمع العملات المشفرة، يتجاوز الأمور المناخية، فقبل الحملة التي شنتها الحكومة الصينية، كان ارتفاع سعر البيتكوين سببا في تشجيع خبراء التكنولوجيا في جميع أنحاء الصين على تحويل أجهزة الكمبيوتر المستخدمة في أغراض الذكاء الاصطناعي، أو معالجة البيانات الضخمة، إلى عمليات التعدين عن البيتكوين.


بالتالي، ومع هذا التدفق في من ينضم لعملية التعدين وراء البيتكوين، ازدادات شراهة طلب الطاقة، فقام بعض العمال في مناجم الفحم، لإعادة تشغيل مناجم فحم كانت متوقفة بدون موافقة من الحكومة، وفي هذه الظروف، مات بعض العمال بسبب حوادث داخل المناجم، وفقا لما ذكرته قناة "الجزيرة".


منشأة للتعدين عن البيتكوين في كندا، يتكلف التعدين عن البيتكوين أكثر ما يتكلف التعدين عن الذهب الحقيقي. الصورة الأصلية من جيمس ماكدونالد / بلومبرج / جيتي


حتى أجهزة التعدين عن البيتكوين، من الطرازات القديمة التي تستهلك كميات أكبر من الطاقة، أخرجها أصحابها من أدراجها، وأدخلوها في عملية التعدين، لذلك زاد استهلاك الطاقة بشكل كبير بالفعل، وفقا لما قاله السيد "ماو شيشينغ"، وهو الشريك المؤسس لـ F2Pool ، أحد أكبر مجمعات تعدين العملات المشفرة في العالم ، لمجلة التايم الأمريكية.


وفي محاولة لتقليل استهلاك الطاقة، أصدرت مقاطعة منغوليا الداخلية الأسبوع الماضي مسودة مبادئ توجيهية للحد من تعدين العملات المشفرة، عن طريق سحب السياسات التفضيلية التي كانت تمنحها لمراكز البيانات الكبيرة وشركات الحوسبة السحابية، مع الإعلان عن إلغاء تراخيص العمل لشركات الاتصالات وشركات الإنترنت وحتى مقاهي الإنترنت. إذا شاركوا في تعدين العملات المشفرة. كما أنشأت الحكومة المحلية خطًا ساخنًا جديدًا حتى يتمكن المواطنون من الإبلاغ عن عمليات التعدين عن البيتكوين المشتبه بالقيام بها.


بينما من المرجح أن يتعافي سعر البيتكوين من الركود الحالي، فمن غير المرجح أن نري شاحنات تعدين البيتكوين والعاملين علي متنها يطاردون الأمطار في سيتشوان في صيف العام المقبل.


من الجدير بالذكر أيضا، أنه حتى قبل الحملة الصينية علي تعدين البيتكوين، فإن هناك ما يشبه "تحول تدريجي" في عمليات التعدين نحو بلدان ذات درجات حرارة باردة علي مدار العام، وتمتع بامدادات ثابتة من الكهرباء.


علي سبيل المثال، هناك كندا، وكذلك أيسلندا، بخلاف ذلك هناك المزيد من رأس المال المتدفق للإستثمار في عملة البيتكوين في دول الغرب، وخاصة في أمريكا الشمالية ... لأن الصناعة أصبحت أكثر مؤسسية هناك، بخلاف حالة نقص الوضوح في الصين.


بالنسبة للعديد من الشركات العاملة في التعدين الصينية، فإن احتمالية التعامل مع الحزب الشيوعي الصيني، يعد حافزًا للبحث في مكان آخر بدلا من الصين.


هذا التحول نحو الخارج سيجعل القضايا البيئية والاجتماعية والنظامية للتعدين عن البيتكوين، مشكلة دولة اخري.


يقول المحللون إن الحملة التنظيمية في الصين، ستدفع على الأرجح عمليات التعدين التجارية الكبيرة إلى الفرار من الصين بشكل جماعي بحثًا عن مضيفين بديلين، مثل منغوليا وكازاخستان وأفغانستان.


--------
تمت ترجمة هذا الموضوع من تقرير لمجلة تايم الأمريكية، من اعداد تشارلي كامبل مراسل شرق آسيا للمجلة، مع العديد من الاضافات التي قدمتها "المعرفة للدراسات".

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -