زدني معرفة

أكبر وأقوى محرك صنعه الإنسان WÄRTSILÄ-SULZER RTA96-C

يتفاخر ملاك السيارات الرياضية السريعة بمحركات سياراتهم القوية، وتتنافس شركات الطيران في امتلاك الطائرات ذات المحركات الأكبر والأقوى التي تمكنها من تسيير رحلات لمدن أبعد ولفترات أطول بعدد أكبر من الركاب.

لكن ذلك كله يصغر ويتضائل أمام الوحش العملاق WÄRTSILÄ-SULZER RTA96-C، المصنوع خصيصا لسفن شحن ونقل حاويات البضائع العملاقة، شريان التجارة بين دول وقارات العالم المختلفة.

فحينما تضع هذه الأشياء في مقارنة مع بعضها البعض، ستشعر بالضبط وكأن أسرع سيارة علي وجه الكوكب "بوجاتي فيرون سوبر سبورت"، قد تحولت إلي مجرد سيارة ملاهي يلهو بها الصغار، أو حتى عربة يجرها حصان هزيل.


مقارنة:


دعونا نضع الأرقام إذن.. فلغة الأرقام لا تكذب كما يقال.


محرك W-16 لسيارة البوجاتي:

  • سعة ٨ لتر.
  • قوة ١٢٠٠ حصان.


محرك WÄRTSILÄ-SULZER RTA96-C لسفن نقل حاويات البضائع:

هذه الأرقام لا تعبر عن القدرة الاجمالية للمحرك، بل توضح قدرات السلندر الواحد منه.. مع الأخذ في الاعتبار أن المحرك يضم ١٤ سلندر. 

  • سعة ١٨٢٠ لتر.
  • قوة ٧٧٨٠ حصان.


ونعيد التأكيد، إن هذه أرقام سلندر واحد فقط، فإذا ما جمعنا قدرات المحرك ذو الاربعة عشر سلندر معا، سنجد العجب العجاب.


سنجد محرك بسعة ٢٥،٤٨٠ لتر، بقوة تبلغ ١٠٨،٩٢٠ حصان عند وصوله لمعدل ١٠٢ دورة في الدقيقة، وهذه هي قوته القصوى، بينما سيبلغ عزم الدوران ذروته ليصل إلي ٥٦٠٨٣١٢ رطل/قدم، عندما يدور بمعدل ١٠٢ دورة في الدقيقة كذلك.


محرك الوقود الثقيل:


بعيدا عن التعقيدات الهندسية والفيزيائية التي تتجمع في أقوي محركات العالم، فهذه لمحة عن الوقود الذي يعمل به "فارتسيلا SULZER RTA96-C".


فالمحرك توربيني، ثنائي الأشواط، ولأنه صنع خصيصا للعمل علي سفن نقل الحاويات العملاقة، فإنه يعمل باستخدام (الوقود الثقيل) إنه الوقود الذي يعد خصيصا لهذه المحركات الضخمة التي تشغل سفن الحاويات، والسفن السياحية الضخمة العابرة للمحيطات، وكذلك ناقلات البترول والغاز الطبيعي. 



هكذا يبدو الوقود الثقيل، الصورة الأصلية من صور غيتي. 


ويأتي هذا الوقود الثقيل كناتج نهائي بعد الانتهاء من جميع عمليات تكرير النفط الخام، حينها تظهر في القاع مادة تشبه القطران، وتتسم بلزوجة تشبه لزوجة الفول السوداني، إنها الوقود الثقيل.


لايمكن استخدام الوقود الثقيل بهذه الصورة لأنه يكون أشبه بعجينة سائلة، لذا يتم خلطه بأنواع وقود أخف مثل وقود الديزل لتحوله لمادة سائلة تستطيع المحركات أن تعمل بها دون أن تنسد أو تتوقف.


وبرغم الاعتراضات الكبيرة علي استخدام هذا النوع من الوقود بسبب اضراره المتعددة علي البيئة، وما يحتويه من سموم، ووقوع حالات تسرب بفعل حوادث السفن التي تستخدمه ما يحيل البيئة البحرية لمكان سيء للعيش للمخلوقات البحرية، مسببا موت الكثير منها واضطراب الحياة البحرية عموما، رغم هذا، يبقي رخص سعر هذا الوقود بنسبة ٣٠٪ عن اقرب منافسيه، يجعله أوفر من الناحية الاقتصادية ويشجع الشركات علي الاستمرار باستخدامه بكثافة.


المحرك الواحد من نوع فارتسيلا SULZER RTA96-C يستهلك ١٦٦٠ جالون من الوقود الثقيل في الساعة الواحدة. وهذا ما لا يحبه بالطبع المدافعين عن البيئة.


سبتمبر:


في الفاتح من سبتمبر عام ٢٠٠٦، كان العالم علي موعد مع أحد أعظم انجازات العقل البشري. قدمته شركة فارتسيلا الفنلندية، إنه محركها WÄRTSILÄ-SULZER RTA96-C المصنوع خصيصا لسفن نقل الحاويات.


المحرك الجديد الذي مثل تطورا كبيرا في تكنولوجيا دفع السفن، قفز فور دخوله الخدمة إلي عرش محركات العالم، ونال لقب أقوى محرك في العالم، بفضل طاقة عمله التي تصل إلي ٨٠،٠٨٠ كيلو واط (يعادل ذلك قوة ١٠٨،٩٢٠ حصان)، عند دورانه بمعدل ١٠٢ دورة في الدقيقة الواحدة.


وزن المحرك منفردا يصل إلي ٢٣٠٠ طن، بينما يبلغ طوله ٨٩ قدما، أما الارتفاع فيصل إلي ٤٤ قدم.


الأقوي للأكبر:


لذا لم يكن من المستغرب أن يكون محرك فارتسيلا SULZER RTA96-C، هو المختار ليكون محرك أكبر سفينة نقل حاويات بضائع بنيت في العالم. 



احتاج ذلك الوحش في صورة سفينة، إلي محرك جبار ليحركه، الصورة للسفينة إيما في أول رحلاتها، سبتمبر ٢٠٠٦، الصورة الأصلية بعدسة نيلس جبسن. 


نتحدث عن السفينة "إيما" التابعة لعملاق الشحن والنقل العالمي، الخطوط الملاحية الدانماركية "ميرسك"، وهي واحدة من أقطاب شركات الشحن علي مستوي الكوكب بأسطول سفن تمتلكه يصل إلي ٧١٢ سفينة، ما يجعلها أكبر مشغل سفن في العالم.


ففي عام ٢٠٠٦، نزلت ايما إلي البحر لأول مرة، كانت وقتما صنعت هي أكبر سفينة حاويات صنعها الإنسان، وستحتفظ بهذا اللقب حتى عام ٢٠١٢.


ما يهمنا هنا أن السفينة ايما كانت أول السفن التي تعتمد محرك فارتسيلا SULZER RTA96-C، ليكون أقوي محركات العالم علي متن أكبر سفن الكوكب.


موسوعة جينيس:


في العام ٢٠٠٨، دخل محرك فارتسيلا SULZER RTA96-C، رسميا إلي سجلات "موسوعة جينيس للأرقام القياسية" باعتباره (أكبر محرك في العالم).


تكنولوجيا RT:


يحفل محرك فارتسيلا SULZER RTA96-C بالابتكارات التكنولوجية الفريدة، من بينها التكنولوجيا التي تعرف اختصارا (RT) أو نظام "القضيب المشترك" المختص بحقن الوقود في المحرك.


ومجددا فبدون الدخول في تفاصيل فنية دقيقة، يعطي هذا النظام عملية احتراق أفضل للوقود داخل المحرك، ومرونة أكبر في تشغيله، من خلال تطبيق التحكم الإلكتروني الكامل في جميع عمليات المحرك، بدلا من مضخات حقن الوقود القديمة التي كانت تعمل بطريقة ميكانيكية.


ولمزيد من الايضاح، يمكنك تخيل سيارتك الحديثة وأنت تتحكم بضخ الوقود فيها بشكل إلكتروني من لوحة تحكم داخل تابلوة سيارتك، بالطبع الأمر مختلف هنا لأن من سيتحكم ويتابع اداء النظام سيكونون مهندسين خبراء.


عندما يشاهد الناس مثل هذه التقنيات، ويتذكروا ما نشاهده في الأفلام واللوحات الفنية القديمة، وما قرأنا من كتب عن محركات السفن القديمة، وعشرات العمال الذين كانوا يقفون أمام أفرانها العالية الحرارة، يدسون الفحم بداخلها، ويتعرضون للحرارة الهائلة ومخلفات عملية الاحتراق... في هذا الوقت نعلم كم من التطور قد احرزناه. 



كانت غرف تزويد محركات السفن قديما بالفحم، بمثابة جهنم علي الأرض، رغم أن عمالها كانوا يجنون المزيد من المال للقيام بتلك المهمة التي تشبه الخيال، الصورة الاصلية من فيلم تيتانيك. 


التحكم الإلكتروني الكامل يتيح لمهندسين السفينة التي تستعمل هذا المحرك العملاق، أن تحقق أقل استهلاك ممكن لزيت الوقود في جميع ظروف التشغيل، ما يجعل الرحلة أقل تكلفة علي الشركة المشغلة للسفينة، ما يعني في النهاية المزيد من الربح.


فالمهندس المتخصص يمكنه متابعة ضبط حقن الوقود حسب ما اذا كانت السفينة تحمل حمولتها كاملة أو جزء منها أو حتى تسير فارغة، وكذلك اذا ما كانت تسير بسرعة عالية في البحار والمحيطات المفتوحة أو ببطء حين الابحار في القنوات والخلجان وبالقرب من الشواطئ.


النظام الإلكتروني RT يحدد للمهندس أيضا الضغط الامثل لحقن الوقود، وتوقيته، علي جميع سرعات السفينة، وبمختلف الحمولات التي تحملها، ما يضمن احتراق فعال للوقود في جميع الأحوال والظروف، ذلك لأن المهندس لن يكون عليه في واقع الأمر إلا ترك النظام يعمل بشكل آلي ولن يحتاج الا للتدخل في الحالات الضرورية فقط.


الصانع:


ولأن شيئا بهذا الحجم، لابد من معرفة صانعه.. فإننا نتحدث عن شركة "فارتسيلا"، إنها العملاق الذي انطلق من علي ضفاف العاصمة الفنلندية هلسنكي، الواقعة علي شاطيء خليج فنلندا في بحر البلطيق.


انطلق الفنلنديين بفارتسيلا ليقيموا كيانا عالميا رائدا في التقنيات الذكية، ومنتجات الأسواق البحرية والطاقة. وفي العام الماضي ٢٠٢٠ بلغ إجمالي مبيعات فارتسيلا ٤،٦ مليار يورو، وأصبحت تشغل لديها ١٨ ألف موظف، وتتسابق كبريات شركات بناء معدات السفن في العالم لنيل رضا فارتسيلا لتعطيها تراخيص بناء نوع واحد أو أكثر من محركاتها، لتحظي بصفقات وأرباح.


أما عملية بناء المحرك ذاتها، فمن غير المسموح القيام بها إلا في أماكن محددة لضمان أن يبنيها أفضل وأدق المختصين عالميا.


فعلي سبيل المثال، هناك علي الجهة المقابلة من كوكبنا، في جنوب شرق آسيا، حيث اليابانيين الذين يدققون في كل شيء. أعطت شركة فارتسيلا رخصة للعملاق الياباني "ديزل يونايتد" لانتاج المحرك، ضمن مجموعة من المحركات التي تصممها فارتسيلا وتصنعها الشركة اليابانية، في تعاون مستمر بينهما منذ ٤ أكتوبر ١٩٤٨.


وهذا مثال ينبغي أن يحتذي به، التعاون بين الشركات الكبيرة ينتج دوما ثمارا كبيرة، هذه دروس مجانية مستفادة من تجارب ناجحة سابقا، تدفعنا للقول بأن هناك شركات عربية عملاقة في عديد من المجالات، يمكنها التعاون معا، وخصوصا في المجالات الصناعية التي نحتاج كعرب لبذل لكثير من الجهد فيها لتحقيق اختراقات كبيرة في الصناعة، تضيف في النهاية للناتج القومي لدولنا العربية، وتعطيها المزيد من الثقل الاقتصادي والسياسي.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -