زدني معرفة

كيف نجعل بيوتنا أكثر برودة في مواجهة ارتفاع درجات الحرارة صيفا

 يمر الناس حاليا حول العالم بموجات من الحر الشديد في فصل الصيف.

والمشكلة الكبرى في الصيف وحرارته، أنه وعلي عكس الشتاء الذي قد يشعر فيه الإنسان بالدفء بارتداء المزيد من الملابس، أو حتى بالتدثر تحت الغطاء في المنزل. 


لكن الصيف لن يفيد فيه كثيرا تخفيف الملابس أو ارتداء اللون الابيض منها، ببساطة لأن الحر أصبح أشد كثيرا من أن يكفي معه مثل تلك الاشياء. وحتى عند العودة للمنزل فلا يملك الجميع رفاهية امتلاك جهاز تكييف، وكثيرا ما تكون المروحة وسيلة لتحريك الهواء الساخن لا أكثر.


فإلي أين يتجه كوكبنا بمن عليه من زهاء ثمانية مليارات نفس بشرية؟. وهل هناك حل لوقف هذا الانهيار؟. 


القبة الحرارية:


تمر هذه الأيام علي عدد من بلداننا العربية "بالتحديد دول الخليج العربي : السعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت وعمان واليمن.. وكلا من مصر والسودان" موجة حر شديدة.


أتت علي بلادنا هذه الموجة بفعل "منخفض الهند الموسمي"، وبدأ الناس يتحدثون عن احساسهم بارتفاع كبير في درجة الحرارة يجعل حياتهم أصعب كثيرا في كل تفاصيلها.


وصل الأمر إلي حد أن من يمتلكون أجهزة تكييف الهواء اشتكوا من ضعف كفائتها هذه الايام، نتيجة زيادة الضغط علي شبكة الكهرباء، ونتيجة لارتفاع درجة الحرارة بالأصل، فحينما تكون درجة الحرارة بالخارج قد تجاوزت الأربعين، فإن جهاز التكييف يبذل جهدا كبيرا لتقليلها إلي ٢٤ مثلا. فما بالنا بهؤلاء الشرفاء الذين يمتهنون مهن صعبة، يعتاشون منها وعائلاتهم بالعمل تحت الشمس لساعات طويلة كعمال البناء وغيرهم؟!!!.


رغم هذا الطقس السيء، فإن ما نمر به حاليا قد يتضاءل حينما نعلم الوضع الذي سببته "قبة حرارية" تمر حاليا فوق كندا والولايات المتحدة الأمريكية، وهما دولتان غربيتان، يتسم طقسهما بالبرد الشديد شتاء، أي من المفترض أن تكون درجة الحرارة فيهما صيفا معتدلة علي الأقل، لكن ما يحدث حاليا يشبه حفلة تعذيب جماعية للمواطنين هناك.


بداية، فلنفهم كيف تتشكل القبة الحرارية بشكل بسيط.


تحدث القبة الحرارية، عندما يحبس الغلاف الجوي المضغوط تحته هواء ساخن في شكل غطاء أو قبعة، مشكلة القبة الحرارية أنها تجعل حر الصيف خطيرا بمعني الكلمة، بسبب الارتفاع الشديد في درجات الحرارة.


مشكلة القبة الحرارية الثانية أنها تتشكل فوق مساحة شاسعة من الأرض، تحاصرها بحرارتها التي لا تطاق، تخيلوا الحرارة محبوسة في مكان ما بدلا من أن تصعد لطبقات السماء أو تنتشر بأي طريقة أخرى، وكلما يمر الوقت، كلما ارتفعت درجة الحرارة، الامر أشبه بوضع أناس داخل براد ضخم مرتفع الحرارة واحكام قفل غطاءه. 



هكذا تبدو القبة الحرارية، شيء ضخم يحيط بمنطقة واسعة، ويضغط الحرارة بداخلها، صورة من خدمة المحيط الوطنية الأمريكية. 


في هذه الاثناء، نفذت في غرب كندا والولايات المتحدة الأمريكية أجهزة التكييف من المتاجر، بل وصل الأمر إلي حد فتح مراكز تكييف جماعية، كما أغلقت المدارس، وتوقفت حملة التطعيم باللقاحات ضد فيروس كورونا المستجد، وتجاوزت درجة الحرارة في بورتلاند الأمريكية علي سبيل المثال ٤٦ درجة مئوية، أما شمال غرب فانكوفر الكندية فاقتربت من ٤٨ درجة، نتحدث عن كندا ثاني أكثر بلدان العالم برودة، وأكثر دولة في العالم يتساقط فيها الثلج من السماء شتاءا.


لكن السيناريو الأكثر رعبا سيكون في ولاية كاليفورنيا حيث من المتوقع أن تصل درجة الحرارة إلي ٦٥ درجة مئوية.


هذه الظواهر، عرفها الإنسان نتيجة للتغير المناخي، نتيجة لارتفاع معدلات الانبعاثات الحرارية، بفعل الإنسان نفسه، فوراء سعيه الحثيث لإنتاج الطاقة، استخدم النفط والفحم وغيرها من المنتجات التي ترفع من حرارة الأرض، وفي سعيه نحو امتلاك الأخشاب، قطع مساحات شاسعة من الغابات، وفي سعيه نحو بناء المنازل، جار علي أراضيه الزراعية.


هذه الظواهر التي من المفترض أن تحدث مرة وحيدة عبر آلاف السنين، أصبح من المرجح أن تتكرر بشكل دوري ومتقارب.


وفقا لأرقام البنك الدولي، فإن درجات الحرارة شديدة الارتفاع تلك لها تأثير اقتصادي غاية في السوء، ففي عام ٢٠١٧ فقط، تم اهدار ١٥٣ مليار ساعة عمل بسببها، لكن الأدهي أن انتاجية الفرد الواحد في بلدان الجنوب من المتوقع أن تنخفض بمقدار ٥٠٪ بحلول منتصف القرن الجاري.


تجلت واضحة في أفعال الإنسان، الآية الكريمة ٤١ من سورة الروم، التي يقول فيها عز وجل:
(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).


فهل هناك حلول فردية؟.. حلول يستطيع كل واحد منا أن يبدأ بها بنفسه، وبمرور الوقت تصبح تصرفات جماعية، فتحدث أثرا محسوس علي الصعيد الجماعي والفردي في آن واحد..


دعونا نقدم إليكم بعض المقترحات.


ازرع شجرة:


انظر حولك، هل هذه قريتك أو مدينتك التي تذكرها كما كانت في سنوات طفولتك وشبابك؟.


بالتأكيد، فبالنسبة للغالبية الكاسحة منا، ستكون الإجابة هي النفي القاطع، لقد تقلصت مساحة الأرض المزروعة فيها، بل وتقلصت المساحات الخضراء عموما، وحل محلها بنايات تلو بنايات تلو بنايات، كلها مصنوعة من الأحجار، الأسمنت، الرمال.


وهكذا قام الإنسان بقص اجزاء من رئة الأرض، الرئة التي كانت تمتص ثاني أكسيد الكربون وتعطيه الاوكسجين، فتخفض من حرارة الارض. وجعل مكانها بنايات تمتص أشعة الشمس وهو بداخلها يعاني أكثر فأكثر.


ومع ذلك، دعونا نفكر قليلا خارج الإطار المعتاد. لاتزال هناك مناطق فارغة أمام منازلنا وفي الطرقات تصلح لكي نزرع فيها أشجار.


لكن ما الجديد في هذا الاقتراح؟.. أو قل مالشيء المختلف الذي سيجعل زراعة الشجر هذه المرة اقتراحا يعيش ويبقي ويثمر.


الجديد هو ربط زراعة شتلات فاكهة أو أي شجرة مثمرة، وليست أشجار للتزيين، تماما في اليوم الذي يولد فيه مولود جديد، فتصبح هذه الشتلة عمرها من عمر هذا الطفل، يهتم بها أهله حتى يكبر ويدرك ويعلم أنها زرعت يوم ولد، فيرتبط بها طيلة حياته.


مبادرة شجرة لكل مولود جديد مطبقة بالفعل في مدينة مثل العاصمة البلجيكية بروكسل. 


سيخلق هذا حالة جماعية من الوعي، مع وجود نسبة كبيرة من أطفالنا سينشأون علي ذلك، ويرون الأشجار تكبر معهم، بل وتثمر معهم.


في ذات الوقت، وبالعودة للهدف الرئيسي، سنعيد تشكيل مساحات خضراء متناثرة هنا وهناك، تعيد ولو جزء مما فقدناه من المساحات الخضراء التي كانت يوما ما مزروعة.


وبالطبع، فإن الدعوة تزيد لمن لديهم مساحات صغيرة كحدائق ملحقة بمنازلهم، لجعل الشتلة اثنتين وثلاثة.


يتميز هذا الحل، بانخفاض تكلفته الاقتصادية، اذ أن الشتلة الواحدة غالبا لا يزيد سعرها عن عشرات الجنيهات في مصر علي سبيل المثال، وهي حينما تكبر، ستعطي في اقل من موسم واحد تطرح فيه، ثمارا تزيد علي هذه القيمة. 


التصاميم الهندسية للمنازل:


ونتيجة أيضا للتوسع في البناء، بتصاميم لا تراعي ابدا تفاعل المنزل مع درجة الحرارة المحيطة به سواء في الصيف أو في الشتاء


نتيجة لذلك، ومع الارتفاع الشديد أصلا في درجات الحرارة، أصبحت حاجة السكان الذين يعيشون داخل تلك الوحدات السكانية أعلي كثيرا لأجهزة التكييف والمرواح.


يسبب ذلك اجهادا لمحطات توليد الطاقة، والشبكات المسئولة عن توزيعها وإيصالها للمنازل، وتحمل الدول ميزانيات كبيرة لزيادة قدراتها وتوسيعها وصيانتها كل عام، لمواجهة غول يأكل الكهرباء.

قدم حسن فتحي نموذجا هندسيا رائعا، عرف من خلاله كيف يتوصل لتهيئة المبني مع البيئة. 


في مصر علي سبيل المثال، مر علي الهندسة المعمارية المصرية في القرن العشرين اسم المهندس "حسن فتحي"، والذي جمع في تصميماته التي اشاد بها العالم، بين رخص التكلفة للمبني، وبين توفير عزل حراري كبير للمنزل.


رغم ذلك، فإننا للأسف لم نبني علي تجربة المهندس حسن فتحي، وظلت تجربة شبه فردية، لا يبقي شاهدا عليها سوي قرية القرنة بالقرب من محافظة الاقصر جنوب مصر وواحة باريس في محافظة الوادي الجديد، وكتاب "عمارة الفقراء" الذي شرح فيه فلسفته في البناء.


وفقا لبعض التقديرات، تنخفض درجة الحرارة في المنازل المصممة بتصميمات المهندس حسن فتحي وبمواد البناء الذي اعتمد عليها نحو ٢٠ درجة مئوية -لم يتسني للمعرفة للدراسات التأكد من الرقم بشكل دقيق-.


لكن المؤكد أن هذه الطريقة في البناء والتصميم المعتمد علي توفير تقنيات تشبه التكييف لكن بصورة طبيعية عبر قباب وأفنية داخلية وملقف هواء ومشربية وعقود وحوائط سميكة لابعاد الحرارة قدر الإمكان، توفر انخفاض كبير في درجة الحرارة داخل المنزل المبني بها صيفا، والمثير أنها توفر دفء أكثر في أوقات البرد في فصل الشتاء أيضا.


كان حسن فتحي مثالا ينبغي أن نتذكره اليوم لا للذكرى فحسب. بل للبناء علي ما قدمه من أفكار خصوصا وأن العالم يشهد حاليا ما يعرف باسم "العمارة البيئية" التي ترعي وتراعي الظروف البيئية للمكان المقام فيه البناء.


في دولة الكويت علي سبيل المثال، قام المهندس المعماري الدنماركي يورن أوتسون بتصميم وبناء مبني "مجلس الأمة الكويتي" بهذه المعايير.


الدرس المستفاد من كل هذا أنه علي أساتذة العمارة، بل وكل مهندس عمارة في بلادنا العربية أن يفهم طبيعة البيئة التي يصمم فيها مبناه، فقد تكون التصميمات الغربية تبدو أجمل للوهلة الاولى، إلا أنها لا تتناسب مع بيئتنا، بل ربما تكون هذه مهمة مجتمعية تتمثل في أن الناس انفسهم يطلبوا من المهندسين تصميم بيوتهم بأسلوب حسن فتحي.


ولنتخيل معا ان احدنا في مدينته او قريته قرر البناء بهذا الشكل، فرأي الناس فيها هذا المبنى الفريد تصميما من الخارج فلفت له الانظار، ثم بدأ أقاربه وجيرانه وأصدقائه في زياراتهم له يشعرون بالفارق الرهيب في حرارة منزل هذا الشخص بدون جهاز التكييف أو المروحة، وبين درجة حرارة منزلهم، فيتشجع غيره علي البناء بنفس الاسلوب، وهكذا يتحول الأمر لثقافة اجتماعية كاملة.


بل ولما لا تدرس الدولة هذه المسألة... وتضعها نصب أعينها في كل تراخيص البناء التي ستمنح مستقبلا.


علاوة علي أنه وبكل تأكيد فإن ما نشاهده في الكثير من مدننا وقرانا العربية من بيوت تشبه المربعات أو علب الكبريت ويقال عنها التصميم العام، تخلو من أي تصاميم غربية كانت أو شرقية الا بعض الأشياء في الواجهة، والباقي يخلو من أي روح أو فلسفة أو معني. 



هكذا بني المهندس المصري الراحل حسن فتحي تصاميم منازل تناسب البيئة التي تنتمي إليها. 


لم يرفض حسن فتحي استخدام ادوات ومواد البناء الحديثة، لكنه أراد الاستفادة منها بما يناسب الوضع البيئي والثقافي والحياتي للمبني الذي سيبنيه ليعيش فيه بشر. وهذا هو مختصر فلسفة العمارة البيئية بشكل عام، والتي إن اردنا ان نعيش في بيوت معتدلة الحرارة، تقينا حر الصيف، فإن علينا ازالة الأتربة التي غطت تلك الفكرة ونعيدها لأرض الواقع. فمن يبني بيتا في الريف الانجليزي، لن يكون ابدا كمن يبنيه في ريف مصر. 


أجهزة تكييف من جيل جديد:


من الجيد في مثل هذه الاجواء أن تحصل علي جهاز تكييف في منزلك، ولكن الأفضل ان تختاره من نوعية صديقة للبيئة. 



هناك نوعيات من شركات عملاقة مثل شركة سامسونج تقدم هذا الاختيار منذ عام ٢٠١٢.


بخلاف أن هذه الاجهزة تقدم توفير اقتصادي للشخص الذي يشتريها لأنها تتمية بكونها أقل استهلاكا للطاقة. فإن مجموعة دول الخليج العربي علي سبيل المثال يستهلك قطاع التكييفات فيها من ٥٠ : ٦٠ ٪ من استهلاك الطاقة وفقا لبيانات الأمم المتحدة، بينما بقية النسبة لباقي نواحي الحياة مجتمعة.


إن الإتجاه نحو أجهزة التكييف الصديقة للبيئة، أصبح ضرورة ملحة وليس اختيارا، ليس فقط للبعد الاقتصادي، ولكن لان أجهزة التكييف الحالية نفسها شرهة جدا تجاه الطاقة، ما يحتاج استهلاك كميات كبيرة من الوقود بمختلف صوره لانتاج الطاقة اللازمة لتشغيلها، بخلاف انها أصلا من أكبر مسببات الغازات الدفيئة علي الكوكب.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -