زدني معرفة

حوادث سقوط حاويات سفن الشحن في البحر أو المحيطات.. عندما تستقر سلع بملايين الدولارات بجانب الأسماك

 هل بدر علي ذهنك سؤالا ذات يوما، وأنت تشاهد سفن الشحن العملاقة تجوب بحار ومحيطات العالم الشاسعة، حاملة علي ظهرها حاويات بداخلها سلع ومنتجات. ماذا لو سقطت واحدة أو أكثر من تلك الحاويات الضخمة من علي ظهر السفينة؟.

هذه السفن التي تمثل عصب التجارة العالمية وشريانها الرئيسي، والذي به تصدر الدول وتستورد، تتعرض بالفعل أحيانا لمثل تلك الموقف.

حادثة:
تصنف واقعة سقوط حاوية شحن من علي ظهر السفينة التي تحملها كحادثة.

زورق يسحب حاويتين سقطتا في البحر من علي متن سفينة شحن نحو ميناء في هولندا، الصورة الأصلية التقطت عام ٢٠١٩، بعدسة ريمكو دي واال / شترستوك. 

بالطبع، لا تحب الخطوط الملاحية التي تشغل تلك السفن العملاقة، أن ترسل اعتذارا للعميل الذي ينتظر بضاعته بأنها تقبع الآن أو جزء منها علي الأقل في قاع المحيط، وأن الأسماك والقروش يسبحون حولها الآن.

فبخلاف أن ذلك سيستوجب دفع تعويضا للمتضرر بطبيعة الحال، فإنه سيمس موثوقية هذه الشركة التي تشغل السفينة وخطوطها الملاحية، ودرجة الإعتماد عليها كناقل آمن.

لذا فليس من المستغرب، أن تستقدم تلك الشركات محققين متخصصين للتحقيق في الظروف التي أدت لسقوط تلك الحاويات من علي ظهر السفينة، لضمان عدم تكرارها في المستقبل وتدريب الطاقم علي التصرف الصحيح خلال تلك المناسبات.

صحيفة "وول ستريت جورنال" الدولية الصادرة من الولايات المتحدة اعدت تقريرا شيقا عن هذه الحوادث التي أصبحت محط اهتمام عالم البحار دوليا، خصوصا مع تكرار حوادث سقوط الحاويات من علي ظهر السفن خلال الشهور القليلة الماضية التي شهد فيها العالم زيادة في حركة النقل البحري عالميا مع تفشي وباء كورونا المستجد كوفيد-١٩، وزادت طلبات الدول والشركات وحتى الأفراد.

مع زيادة الحركة، زادت الحاويات التي تسقط، والتي وصلت لالاف الحاويات خلال الأشهر الأخيرة، ما لفت الإنتباه لتلك الظاهرة.

مخاطر متنوعة:
الحقيقة، أن هذه الحوادث لا تمثل فقط خسارة ملايين الدولارات مع ضياع البضائع في البحر، بل إنها تسبب كذلك أضرارا لبدن السفينة نفسها، ولا ننسي طبعا أنه وخلال واقعة السقوط نفسها، فإن أرواح أي أفراد من أفراد طاقم السفينة ستكون في خطر.

لا ننسي أيضا الضرر البيئي، إن سقوط هذه الحاويات في البحر أو المحيط، تدخل علي البيئة البحرية أشياءا ليست ضمن تكوينها، ويزيد هذا الضرر ويرتفع اذا ما كانت محتويات هذه الحاويات عبارة عن مواد سامة أو بلاستيكية أو كيمائية أو أي مادة تلحق ضررا بليغا بالبيئة البحرية والأحياء فيها.

لكن لا داعي للذعر، فوسط ملايين.. عشرات، وربما مئات الملايين من الحاويات التي تنقلها سفن الشحن سنويا، فإن سقوط بضع مئات منها، وربما الآلاف، قد يعتبره الكثيرون مشكلة نادرة، لكن الخطر هو "تواصلها".

وفقا لوكالة "بلومبيرج" الأمريكية الشهيرة فإن أكثر من ألف حاوية تسقط من علي ظهر السفن كل عام، لكن الملفت أن رقم الحاويات التي استقرت في قاع البحار والمحيطات قد زاد كثيرا، مع اقتراب نهاية عام ٢٠٢٠، وبالتحديد في شهر نوفمبر، ومطلع عام ٢٠٢١.

تصاعد الرقم بشكل غريب خلال الشهور القليلة الماضية، إذ يكاد يلامس الثلاثة آلاف حاوية، في فترة تقل عن عام.

البحارة علي مستوي العالم يقولون أن هذه الحوادث، ورغم زيادتها الأخيرة، لكننا إذا نظرنا لمعدلاتها علي المدى الطويل، فإننا نجدها قد قلت، لكن هذا القول يجد أمامه موجة من حوادث تتابعت خلال الشهور الأخيرة، ودعوات تزداد للتحقيق لمعرفة ما الذي يحدث بالضبط؟.

التدحرج البارامتري:
المهندسين المعماريين البحريين ومعهم البحارة ومهندسي السفن، يقولون أنه ولسقوط حاوية من سفينة، فإنه وفي غالب الأحوال يجب أن تتضافر سلسلة من الظروف التي تجتمع معا لخلق حدث كارثي يعرف باسم "التدحرج البارامتري".

دعونا نتذكر أولا شكل سفن الشحن العملاقة في عالمنا اليوم، تلك التي زادت أحجامها، وأصبح ارتفاعها يعادل ارتفاع مباني متعددة الطوابق، وعلي متنها تتكدس الحاويات.

بعض السفن العملاقة يمكن أن يبلغ طولها، طول أربع ملاعب كرة قدم، وتستطيع حمل ما يصل إلي ٢٤،٠٠٠ حاوية، مكدسين فوق بعضهم بارتفاع قد يصل لارتفاع عمارة من خمسة أو ستة طوابق.

هذه التصاميم العملاقة تجعل من مسألة استقرار السفن في المياه المفتوحة مصدرا للقلق بصورة متزايدة.

"إنه عامل كبير من العوامل التي تؤدي لتلك الحادثة، يحدث عندما تضرب أمواج البحر أو المحيط منطقة "قوس مقدمة السفينة"، ليس بشكل مواجه من الأمام، لكن عندما تضرب الأمواج تلك المنطقة بزاوية"... هكذا يخبرنا السيد فوتيس باجلوتس، وهو مهندس بحري يوناني، يعيش في آثينا.

ويضيف السيد باجلوتس قائلا: "حينها، وبينما تواصل سيرها، تتدحرج السفن إلي الأعلي وإلي الأسفل، كما يمكن أن نجدها تتحرك يمنة ويسارا والعكس... هذا الوضع قد يتحول إلي وضع لا يمكن السيطرة عليه، مؤديا لسقوط الكثير من صناديق وحاويات الشحن إلي البحر".

بعبارة أخرى، فإن التدحرج البارامتري يعد بمثابة "أزمة قلبية" تصيب بدن السفينة، لا يعرف البحارة متي تبدأ، ولا متي ستنتهي. تحركها من جانب إلي جانب بصورة مرعبة. ومع الأخذ في الاعتبار أن سفن نقل الحاويات مصممة للأبحار بسرعة في المحيطات والبحار لتنقل السلع والبضائع بشكل سريع، فإن السير بسرعة ثم التعرض لهذا الموقف فجأة يجعله أكثر خطورة.

إذن لابد من أحوال جوية سيئة، تتكون من رياح قوية، وأمواج متلاطمة تهز السفينة، فتسقط الحاويات من فوقها.

مقتطفات:
هناك عدد من المقتطفات التي وإن جمعت سويا، ستجعل الصورة أوضح كثيرا فيما يتعلق بأسباب تلك الحوادث.

بالطبع فإن هذه الحاويات يتم ربطها والاغلاق عليها جيدا بأقفال.

هذه الأقفال من المفترض أن تقوم بمهمة تثبيتها ومنعها من السقوط، وهو ما يدور في ذهن القارئ، لكن التحقيقات في حوادث السقوط السابقة بينت لنل عددا من الأسباب.

بداية من صعوبة مهنة عمال السفن التي يضطرون فيها للعمل المتواصل لساعات طويلة في مهنة شاقة من الأساس، ما قد يزيد من معدلات خطأهم.. ولا ننسي بالطبع أن هذه الأقفال قد تهمل عمليات الصيانة اللازمة لها، فتتلف، ومع أقفال تالفة، فإن فرصة سقوط الحاوية تكون أكبر، وبكثير  ...

لا يمكن هنا اغفال عامل آخر هام للغاية، وهو ضغط الشركات لجداول التسليم سعيا نحو تحقيق تسليم للشحنات بسرعة كبيرة، ومن أجل ذلك تندفع السفن مبحرة بسرعات أعلى، يعني ذلك أيضا زيادة معدلات المخاطرة.

أما من يتحدث عن حجم السفينة، فبالتأكيد إن تقليل أحجام سفن الشحن، سيجعلها أقل عرضة لحوادث سقوط الحاويات من علي متنها، لكن وفي الوقت ذاته، هذا يتعارض مع المنطق الاقتصادي القائل أن كلما زاد حجم السفينة كلما زادت أرباحها في الرحلة الواحدة، لذا فإن الشركات تتجه لامتلاك سفن أكبر حجما وليس العكس.

حادثة ميرسك:
في السادس عشر من يناير ٢٠٢١، كانت خطوط شركة "ميرسك" الملاحية الدانماركية، وهي واحدة من أقطاب شركات الشحن علي مستوي الكوكب بأسطول تمتلكه يصل إلي ٧١٢ سفينة، علي موعد مع أحد أكثر حوادث سقوط الحاويات ضخامة.

تعرضت احدي سفنها العملاقة والتي تصل قدرتها التحميلية لأكثر من ١٣ ألف حاوية، لظروف جوية قاسية حينما كانت تبحر في مياه المحيط الهادي في طريقها من شيامن الصينية نحو ميناء لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا الأمريكية، ادت لسقوط ٧٥٠ حاوية من حاوياتها في المياه، حاملة بداخلها سلع تقدر بملايين الدولارات نحو أعماق المحيط.

كانت الحادثة ضربة للشركة التي تصنف باعتبارها أكبر مشغل سفن في العالم والتي كانت تشهد حالة من تصاعد قيمة أسهمها في السوق عام ٢٠٢٠ مع ارتفاع حركة الشحن البحري في عام وباء كوفيد-١٩.

علي أي حال، ستبقى سفن نقل الحاويات العملاقة لا غني عنها في عالمنا، الغالبية الكاسحة من السلع التي تنتقل استيرادا وتصديرا بين الدول وصلت إلي أرفف المتاجر عبر تلك السفن، وبالطبع لن تتوقف الحاويات عن السقوط، ولن تتوقف خطوط الملاحة عن استقدام أمهر المختصين وأكثرهم خبرة لتقليلها علي الأقل.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -