زدني معرفة

عصر فلاتر الوجه.. لماذا يريد الناس تغيير شكلهم الطبيعي

 في كتابه الموسوعي "قصة الحضارة" كتب المؤرخ والفيلسوف الامريكي الذائع الصيت "ويل ديورانت" قصة التاريخ البشري، وفي جزء "عصر الإيمان" الذي أرخ فيه للقرون الوسطي في أوروبا، حيث سادت الكنيسة علي القارة العجوز كاملة، بداية من فلاحي الحقول، مرورا بالفرسان والنبلاء، وصولا إلي الملوك في القصور.

في هذا الجزء، كتب ديورانت يحكي أنه قد جاء علي أوروبا زمنا في العصور الوسطي كان النقاشين والرسامين يشتكون من قلة مواد عملهم، إلي حد أنهم لم يجدوا احيانا ما ينقشون به حوائط الكنائس، لأن النساء يستخدمونها بكثرة في التجميل.


إذن ففكرة التجمل، وخصوصا لدي النساء، هي سلوك لا يكفي وصفه بالتاريخي، بل هو سلوك طبيعي في نفس المرأة، التي تحركها الدوافع الداخلية لكي تمتلك الجمال، فالجمال كان دوما هو سلاح المرأة الأساسي.


مساحيق الإنترنت:

لكننا اليوم أمام مساحيق تجميل من نوع آخر، إنها مساحيق إلكترونية، تسمي "الفلاتر".


في بضع ثواني ستجعل وجه الأنثى -أو حتى الذكر إن استخدمها- يختلف تماما، يصبح نقيا بلا شوائب، وربما أكثر بياضا، خاليا من التجاعيد، فنصبح أمام نسخة أكثر جمالا بكثير، لكنها بالتأكيد ليست طبيعية ولا حقيقية.


هناك حالة كبيرة من التندر والسخرية تجاه مستخدمين تلك الفلاتر، وحتى من يتورع عن السخرية، فإنه يكون عارفا أن الصورة التي أمامه وبكل تأكيد خضعت للفلترة وليست وجه الشخص الطبيعي.


ورغم ذلك، فهناك حالة من الرواج والتوسع العالمي في استخدام "فلاتر الصور" مع عشرات التطبيقات التي تقدم نفس التأثيرات، واعتمادها كاختيار علي الصور والفيديوهات التي يحملها الشخص علي مختلف مواقع التواصل الاجتماعي.


الفلترة بدون اذن:

من الملفت للنظر، هو صدور تقارير حديثة تؤكد أن بعض التطبيقات قد طبقت الفلترة علي الصور بدون اذن. تأكدت هذه التقارير بكثير من تعليقات مستخدمي التطبيق الذين سجلوا ملاحظاتهم حدوث ذات الأمر معهم.


من بين التطبيقات المتهمة بذلك، تطبيق "تيك توك" المتخصص أساسا في نشر وبث الفيديوهات، وقد سجلت حالات قام فيها التطبيق باستخدام فلترة الصور، رغم أن المستخدمين قد اختاروا إيقافها.


شركة "تيك توك" ردت في بيان علي هذه الظاهرة أنه كان هناك مشكلة وتم حلها.


لكن هذا الرد بدا غير مقنع للكثيرين، خصوصا أن هناك تطبيقات صينية أخرى تشهد نفس الظاهرة، تعمل الفلاتر تلقائيا علي الصور، حتى مع اختيار المستخدم إيقافها.


عصر الشك:

المشكلة في هذا العصر، أن كلا الجنسين، يتعرضان دوما لمشاهدة عشرات الصور والفيديوهات بشكل شبه يومي، يظهر فيها رجال ونساء بملامح غاية في الوسامة، ويرتدون أرقي أنواع الملابس.


هذا التعرض البصري اليومي، خلق معيار جمال عالمي غير دقيق، فليس كل البشر يمتلكون كل الامكانيات المالية التي يمتلكها هؤلاء، حتى نمط الحياة والنوم ومدى ارهاق ساعات العمل وعددها يؤثر علي شكل البشر.


أصبح الناس يشكون في ملامحهم وأجسادهم، وهي حالة غريبة، فرغم ان الاهتمام بالتزين قديم، إلا أن المجتمعات حتى اختراع التليفزيون كانت ضيقة، والمنافسة منخفضة، وحتى مع ظهور التليفزيون كان هناك ادراك أن هناك فئة تسمي المذيعين أو الممثلين، وأن هناك اختلافات شكلية مفترضة بينهم وبين عامة الناس.


لكن هذا العصر، يشهد انفجارات، والناس تصبح أكثر شكا، قلقا، مما يؤثر علي صحتهم النفسية. وهم بكل تأكيد يشعرون بالضيق لأنهم لا يقدرون أن تظهر أشكالهم ووجوههم بنفس الصورة علي أرض الواقع في حياتهم اليومية. وبالتأكيد فإن الأمر يكون أكثر تعقيدا وأعمق أثرا اذا ما فكر فيه الأطفال وكذلك المراهقين.


بعض التطبيقات "التيك توك" مجددا واحد منهم، ومعه "انستغرام" أيضا، ذهبا إلي ما هو أبعد من فلاتر تغيير الوجه، فلقد أصبحا يوفران خاصية تعديل الجسم نفسه، فيمكن للفتاة أن تجعل خصرها أنحف، ويمكن للشاب أن يضيف لجسده العضلات المفتولة.


تتزايد بعض الدعوات حاليا، تطالب أن توضع معايير للإعلانات التلفزيونية أو إعلانات الإنترنت، تلزم المعلن أن يضع في إعلانه ما يفيد اذا ما كان قد تم استخدام تقنية الفلاتر، بل إن هناك حملات ذهبت لما هو أبعد من ذلك بمطالبتها حذف تقنية الفلاتر من وسائل التواصل الاجتماعي كلية.


كثيرون يلاحظون أن اطفالهم، أو اطفال في محيطهم القريب يهتمون بأمور كالمكياج، هذه الأشياء كانت منذ سنوات قاصرة علي الفتيات اللواتي انهين مرحلة المراهقة، إن الآثار النفسية التي يتعرض لها الطفل جراء اهتمامه بشكله بصورة مبالغ بها في مراحل عمرية صغيرة، قد يكون لها ارتدادات بالغة علي شخصيته وتكوينه المستقبلي.


لماذا نعيش:

ولكن علي كل شخص أن يسأل نفسه.. هل هدفه في الحياة هو ابهار الناس بشكله او بصورته!.


الحقيقة أن هذا هدف ضئيل الشرف، وللإنسان في حياته أهدافا كثيرة أكثر أهمية، بداية من النجاح الدراسي، ثم التفوق العملي، تكوين أسرة سعيدة وناجحة والحفاظ عليها، أن يكون صديقا وفيا، وعضوا نافعا في المجتمع، وقبل كل هذا ومعه وبعده، أن يكون مؤمنا بخالقه طائعا له.


وفي الختام، فإن نصيحتنا إليكم، أن تعيشوا حياتكم بلا فلاتر ولا مكياج، عيشوها كما ينبغي.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -