زدني معرفة

الميج-٣١ فوكسهوند.. أقوي مقاتلات روسيا الاعتراضية

 عندما عرف الإنسان كيف يحقق حلمه في الطيران، لم يتأخر كثيرا في تسخير حلمه وتحويله لسلاح في ساحات المعارك.

طار الاخوين رايت لأول مرة في تاريخ البشرية يوم ١٧ ديسمبر ١٩٠٣، بينما كانت الحرب العالمية الأولى (٢٨ يوليو ١٩١٤ - ١١ نوفمبر ١٩١٨)، هي المرة الأولى التي يستخدم فيها الإنسان الطائرات في معاركه.

المقاتلات الاعتراضية:


ومنذ ذلك التاريخ، ويواصل الإنسان تطوير طائراته الحربية بشكل مذهل، وكم من حروب حسمت بالطائرات، وكم مرة تغير مصير الأمم بسبب الطائرات، ولذا فإن الطائرة الحربية بحق تستحق لقب سيدة أسلحة القرن العشرين، ولا تزال تواصل فعل هذا حتى اليوم بلا منافس محتمل.


وتنقسم الطائرات الحربية لأكثر من نوع، فمنها طائرات النقل وهي أشبه الأنواع بالطائرات المدنية، بل إن بعضها يستخدم أصلا في مهام النقل المدني، وبالقرب من هذه الفئة نجد طائرات مكافحة الغواصات وطائرات الحرب الإلكترونية والاستطلاع والتجسس وجمع المعلومات وطائرات التزود بالوقود في الجو.


كما توجد كذلك الطائرات المروحية التي يتنوع استخدامها للنقل كذلك وللهجوم ضد الاهداف البرية، وهناك الفئة الجديدة UAV أو الطائرات بدون طيار. كما يوجد القاذفات التكتيكية وشقيقتها الكبري "القاذفات الاستراتيجية الثقيلة". 



الميج-٣١ الروسية، صورة من الموقع الرسمي لوزارة الدفاع الروسية. 


أما الفئة الأهم فهي المقاتلات والتي تنقسم بنوعها لمقاتلات السيادة الجوية، والمقاتلات متعددة المهام التي تستطيع القتال الجوي وضرب الأهداف البرية معا.


بينما حديثنا اليوم عن "الميج-٣١"، واحدة من أفضل المقاتلات "الاعتراضية" علي الصعيد العالمي، والمقاتلات الاعتراضية هي المقاتلات التي تتخصص في مهام الدفاع عن البلاد، واعتراض أي طائرة معادية من كل الطرازات والأنواع والفئات المذكورة في حالة ما اذا اخترقت المجال الجوي لبلدها. 


الفوكسهوند:

في الولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا، هناك كلب أنيق المظهر، متخصص في مهام صيد الثعالب، مشهور بسرعته والقدرة علي التحمل، كما يتسم بأنه كلب ودود... إنه الفوكسهوند. 



كلب الفوكسهوند. 


عندما شاهد المتخصصين في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، تلك المقاتلة التي بنيت في العهد السوفيتي لأول مرة، وجدوا أنفسهم لا يستطيعون مقاومة رغبة عقولهم في أن يطلقوا عليها هذا اللقب "فوكسهوند". فأصبحت الميج-٣١ هي صائدة ثعالب الناتو اذا ما حاولت اختراق المجال الجوي لروسيا.


وربما كان علي خبراء الناتو أن يتسموا بالكثير من الصبر علي أنفسهم كي يلقبوا مقاتلة غريمهم السوفيتي بلقب حيوان يعرف عنه الكثير من الصفات الجيدة. وأبرزها القوة ضد العدو، والود مع الصديق.


الطفل الذي نجا:


لعل الكثيرون منا قرأ رواية "هاري بوتر" للكاتبة الانجليزية المعروفة "جي كي رولينغ".


حمل الفصل الأول من الجزء الأول من سلسلة الروايات الشهيرة عنوان "الطفل الذي نجا"، فعندما جاء الذي لا ينبغي أن يذكر اسمه، لكننا سنذكره مع الإعتذار لعشاق الرواية، وهو "فولدمورت" سيد السحر الأسود، وهاجم والد ووالدة هاري بوتر وقام بقتلهما، ولسبب ما، نجا هاري، وانقذه صديق لوالده حيث نقله ليعيش عند أقاربه حتى يحين موعد دخوله لعالم السحر حيث ينتمي.


ربما تتشابه قصة الميج-٣١ بعض الشيء مع ما حدث لهاري بوتر، إذ صممها السوفييت لتكون خليفة لمقاتلات ميج-٢٥ التي اتسمت بالسرعة الشديدة إلي الحد الذي مكنهم ذات يوم من الدفع بها من مطار مصري للتحليق فوق سيناء مطلع السبعينات حينما كانت إسرائيل لا تزال تحتلها، ورغم محاولات مقاتلات الفانتوم الإسرائيلية المستميتة لاسقاطها، فإنها حتى لم تستطع اللحاق بها، وسقطت الصواريخ التي اطلقت ضدها بعدما عجزت عن مجرد الاقتراب منها، وانهت الميج-٢٥ رحلتها فوق سيناء في أمان تام.


بعد تلك الحادثة بأقل من خمس سنوات، وفي سبتمبر من العام ١٩٧٥، كانت أول نسخة من الميج-٣١ علي موعد مع اختبار الطيران الأول لها، واستغرقت سبع سنوات حتى تدخل خطوط الإنتاج الكمي عام ١٩٨٢.


لكن ولسوء طالعها، فمنذ ذلك التاريخ تلاحقت الأحداث الجسام علي كاهل الاتحاد السوفيتي، من انهيار سعر البترول عصب اقتصاده الرئيسي في السوق العالمي بتخطيط أمريكي، ودخوله حرب تم استنزافه فيها في أفغانستان كذلك بتخطيط أمريكي، وزيادة نشاط العملاء الامريكيين في النخر بداخله.


امتلك الأمريكيين في الحرب الباردة، فضيلة الذكاء التي جعلتهم يقرأون الفاتحة في النهاية علي نعش الاتحاد السوفيتي الذي شيع لمثواه الأخير في ٢٦ ديسمبر ١٩٩١، دون أن يطلقوا رصاصة واحدة ضده.


وفي ظروف انهيار كامل كتلك، وانتشار ظاهرة سقوط المواطنين الروس مغشيا عليهم في الشوارع من أثر الإفراط في شرب الخمر، واتجاه بعض نساء روسيا للانجاب وبيع أطفالهم لاثرياء أوروبا الغربية الذين لا ينجبون مقابل المال، بل ووصول التفكك وعدم المحاسبة إلي حد فتح مخازن الجيش من كبار الجنرالات وبيع أسلحته لحسابهم الشخصي في صفقات خارج إطار القانون، في ظروف كتلك كان من المستحيل أن تستمر خطوط انتاج الميج-٣١ بامكاناتها المذهلة، او يستمر الإستثمار في المقاتلة وتطويرها، وبدا الطفل السوفيتي وكأنه سيموت.


لكن مع صعود الرئيس بوتين للسلطة ليلة رأس السنة عام ٢٠٠٠، تم تصحيح المسار اقتصاديا وعلي جميع الأصعدة، وأصبح من الممكن اعادة تطوير الجيش، وفتح ملف الاسلحة التي يمكن تطويرها والاعتماد عليها من العهد السوفيتي، فكانت الميج-٣١ في المقدمة، وكانت هي الطفل الذي نجا. 


مواصفات المقاتلة:


في مكاتب عملاق صناعة الطائرات الروسي شركة "ميكويان" ذات التاريخ العريق، والتي صممت وصنعت الطائرات من نوع ميج، والتي خدم العديد من طرازاتها في أسلحة الجو العربي منذ الخمسينيات وحتى الآن. 



في مكاتب تلك الشركة العملاقة، صممت الميج-٣١ كما قلنا خصيصا لمهام الاعتراض، لكنها تميزت بطول مدى طيرانها، ما يوفر لمن يشغلها قدرة عملية متميزة، ويجعلها طائرة موثوق بقدراتها علي أداء مهامها.


تأتي الميج-٣١ بمقعدين، إذ يتكون طاقمها من الطيار ومعه ضابط أنظمة تسليح الطائرة، ومع توزيع المهام علي شخصين مدربين، قد يتوفر للميج-٣١ بعض من اللحظات في اي اشتباك جوي، لحظات قد تكون فارقة في الحرب بين اعتراض الهدف وتدميره، وبين العكس.


طول مقاتلة الميج-٣١ هو ٢١،٥ متر، وتبلغ المسافة بين جناحيها ١٤ متر، بينما يصل ارتفاعها من علي سطح الأرض ٦،٦ متر، وتتميز كذلك بكبر مساحة الجناحين اذ تصل إلي ٦١،٤١م²، مما يتيح وضع عدد كبير من نقاط تعليق الأسلحة علي جناحيها، تصل حمولتها إلي ٦٦٥كجم للجناح الواحد.


تبلغ أقصى حمولة للمقاتلة ميج-٣١ عند الإقلاع ٤٦،٢٠٠ كجم، بينما وزنها فارغة يصل إلي ٢٢،٠٠ ويشكل الفارق هنا، وزن الوقود والمعدات والأسلحة التي يمكن أن تحملها.


تعمل الميج-٣١ بمحركين من نوع D-30F6، يوفر كل واحد منهما 15,500kgf من قدرات دفع الطائرة عند الإقلاع، ويمكناها من التحليق بسرعة تصل إلي ١٥٠٠كم/س علي الارتفاعات المنخفضة، و ٣٠٠٠كم/س علي الارتفاعات العالية.


أما سقف الارتفاع الذي لا تتجاوزه الميج-٣١ عند الطيران يصل إلي ٢٠،٦٠٠ متر، وهو رقم هائل يسمح لها بتجاوز أول طبقات الغلاف الجوي للأرض التروبوسفير (troposphere) التي تبدأ من ٠ إلى ١٢ كم، والتحليق داخل الجزء السفلي من طبقة الستراتوسفير (stratosphere) التي تبدأ من ١٦ إلى ٥٠ كم.


وبفضل محركاتها العملاقة يمكن للميج-٣١ أن تحلق لمسافة ١٢٥٠كم، ويرتفع الرقم اذا كانت تطير بسرعة ثابتة إلي ١٦٢٠كم، لكن اذا ما وضعناها علي سرعة تفوق سرعة الصوت مرتين (٢،٣) ماخ وهي سرعة ملائمة لتنفيذ العمليات القتالية، فإن نصف قطر سيقف عند مسافة ٧٢٠ كم. وبصورة عامة، فإن أقصى مدى يمكن للميج-٣١ الوصول إليه سيكون ٣٣٠٠كم، ومع ميزة إمكانية تزودها بالوقود في الجو، ستتمكن ميج-٣١ من التحليق حتى ٥٤٠٠كم.


الطائرة تتميز كذلك بالرشاقة في الطيران، إذ يصل معدل تسلقها (التسلق مصطلح يعبر عن اتخاذ الطائرة وضع الارتفاع في الجو) إلي ٢٠٨ متر في الثانية الواحدة. 


قاتلة:

تمتلك الميج-٣١ مواصفات مقاتلة فتاكة بشكل حقيقي، ورغم أنها صممت أصلا للمهام الاعتراضية، فلقد زودها الروس بمزيد من القدرات التي تجعل منها قاتلة محترفة خارج هذا الإطار أيضا.


الطائرة تعمل بالرادار المتميز RP-31E، الذي يستطيع رصد أهدافه في أحوال الجو الجيدة وحتى أصعب ظروف الطقس، ومن خلاله تستطيع الطائرة ضرب أي هدف يحلق ما بين ارتفاع ٥٠ متر وحتى ٢٨،٠٠٠ ألف متر فوق سطح الأرض، سواء كان ذلك الهدف أمام المقاتلة أو خلفها، فلن تضطر للاستدارة إذا ما كان خلفها، بل سينطلق الصاروخ منها نحو هدفه أيا كان موقعه.


الرادار أيضا يمكن طيار الميج-٣١ من مسح السماء أمامه لمسافة تتراوح بين ٩٠٠ : ١٠٠٠ كم، كاشفا عن اي عدائيات محتملة، كما توفر وحدة البحث بالأشعة تحت الحمراء إمكانية أن يغلق الطيار الرادار كليا كي لا يتم رصده من الطائرات أو وسائل الدفاع الجوي المعادية، ويعتمد علي هذه الوحدة في رصد أهدافه وشن الهجوم دون أن يتم رصده.


تستطيع مقاتلات ميج-٣١ أيضا أن تحرم العدو من ميزة امتلاكه للأقمار الصناعية، إذ لديها نسخة تحمل صاروخ ضخم يوضع أسفل بدن الطائرة، مخصص لتدمير الأقمار الصناعية ورادار صمم خصيصا لذلك الغرض بالتحديد. 


نسخة BM:


إنها النسخة الأحدث والأكثر تطورا من الميج-٣١. 



في هذه النسخة تم تطوير إلكترونيات الطائرة، ما سمح لها بحمل أسلحة القتال الجوي الروسية من الجيل الجديد، ووفقا للموقع الرسمي لوزارة الدفاع الروسية، فإن قدرات الطائرة ميج-٣١ عند تطويرها للنسخة BM، تضاعفت ثلاث مرات مقارنة بالنسخة الأصلية لها.


كما أصبح بمقدور الميج-٣١ في هذه النسخة ان تشن هجمات وتدمر الاهداف البرية أيضا، وتم اضافة شاشات ملونة متعددة الأغراض مصنوعة من الكريستال السائل لقمرة القيادة، وتم استبدال حاسوب المقاتلة القديم، بحاسوب أحدث وأقوي، علاوة علي روابط بيانات رقمية، ورادار أحدث من التصنيف "أيسا"، وهو رادار أفضل من حيث قدرة مقاومة التشويش والحرب الإلكترونية، كما يتميز بقدرة أعلي علي رصد أهدافه.


هكذا ستواصل المقاتلة الاعتراضية الأسرع من الصوت القيام بدوريات طويلة المدى، للتصدى لطائرات الاستطلاع على ارتفاعات عالية والقاذفات الاستراتيجية، ووصولا إلي الأهداف الجوية المنخفضة الطيران. الطائرة قادرة على ضرب ٦ أهداف جوية في وقت واحد، ومتابعة ما يصل إلى ١٠ أهداف جوية. 


الدول المشغلة:


تعمل الميج-٣١ لدي دولتين فقط، فلن تراها إلا باعلام القوات الجوية الروسية، كما يمتلكها سلاح الجو الكازاخستاني. 


وقد بلغ عدد الطائرات المنتجة (٥٠٠) طائرة من طراز الميج-٣١.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -