زدني معرفة

ملف التعويضات الألمانية لإسرائيل.. صنبور المال الذي لم يغلق منذ ١٩٥٢

 جزء من عقد الثلاثينيات في القرن العشرين وحتى عام ١٩٤٥، الرايخ الثالث يحكم ألمانيا.. تكثر الروايات والقصص حول الاضطهاد الممنهج لليهود في تلك الفترة، ليس فقط في ألمانيا، بل في كل الدول التي دخلها هتلر بجيوشه مع بدأ الحرب العالمية الثانية عام ١٩٣٩.

صورة من المتحف التذكاري للهولوكوست في الولايات المتحدة الأمريكية، أطفال يهود ناجين. 

انقسمت ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب. جزئها الغربي الذي والي الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، سرعان ما نجح في تحقيق نهضة اقتصادية مذهلة لفتت الأنظار وقتها، وكانت محل للأشادات وقتها، بل وحتى اليوم.

لكن هذه النهضة الاقتصادية، لفتت أيضا أنظار اليهود، لقد أرادوا تعويضا عن كل ما لحق بهم خلال الحرب.

الفكرة:
يحكي "أهرون بريغمان" وهو أستاذ علوم سياسية بكلية كينجز كوليدج البريطانية، والجامعة العبرية في إسرائيل، وهو بريطاني من أصل إسرائيلي، يحكي في مؤلفه "تاريخ إسرائيل". كيف اختمرت الفكرة.

ففي تلك الحقبة، والتي كانت إسرائيل لا تزال تحبو خلالها، بعد ما يقل عن أربعة أعوام من تأسيسها في مايو ١٩٤٨. كانت تفتقر إلي اقتصاد حقيقي يوفر لها احتيجاتها المالية التي تتزايد، من حاجتها لتطوير جيشها وسط محيطها العدائي من العرب، والانفاق علي المهاجرين الجدد الذين أتوا إليها بمئات الآلاف، بل وحتى تلبية احتياجاتها من السلع الأساسية.

رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون يدرس خريطة مع الميجور جنرال موشيه ديان (يمين) رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أثناء تحليقهما فوق شبه جزيرة سيناء في ١٣ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٥٦ وقت العدوان الثلاثي علي مصر. إلى اليسار تجلس زوجة رئيس الوزراء بولا بن غوريون، وفي الخلفية ابنتهما رينانا بن غوريون.

حينها قفزت فكرة ابتزاز ألمانيا في ذهن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول، والمسمي في إسرائيل "النبي المحارب"، إنه ديفيد بن جوريون.

تلخصت الفكرة في الحصول علي تعويضات مالية، مقابل ما حدث في "المحرقة"... حتى وإن مثل ذلك كما يقول "أهرون بريغمان" تأكيدا علي الصورة الذهنية المأخوذة عن اليهود من أنهم قوم شرهون تجاه المال.. لقد كانت الحاجة للمال أكبر كثيرا من أن تؤخذ تلك الأمور في الاعتبار حين إتخاذ القرار.

الاجتماع الأول:
كان الاجتماع الأول سريا، نتحدث عن ديسمبر ١٩٥١. حينها وبتكليف مباشر من بن غوريون، قام "ناحوم غولدمان" ممثله الخاص والذي كان يشغل في الوقت ذاته "رئيس مؤتمر المطالبات اليهودية من ألمانيا" بالالتقاء بالمستشار الألماني حينها "كونراد أديناور"، وتم اللقاء بين الرجلين في العاصمة البريطانية لندن.

المستشار الألماني "كونراد أديناور"، صورة في ٢٣ يونيو ١٩٥٢،  بعدسة كاثرين يونغ ، نيويورك، الأرشيف الفيدرالي الألماني 

مصادر أخرى تحدثت عن أن الاجتماع الأول كان في أبريل ١٩٥١، وأن ما حدث في ديسمبر ١٩٥١ أن المستشار الألماني "كونراد أديناور" كشف للبرلمان الألماني" البوندستاغ" وجود المفاوضات، ما شكل بداية الخطوات الرسمية للمفاوضات، ولتوفير المال الألماني بالطبع.

كان الألمان يرون مصلحتهم في دفع الأموال، هو التخلص من هذا الاتهام الذي يطاردهم به اليهود، علاوة علي أن اتفاقية من هذا الطراز، تحمل جواز عودة لألمانيا لحضن المعسكر الغربي بل والترحيب بها، لذا كان هناك مصالح ألمانية وراء هذا المال المدفوع. ومع ذلك فمن عارض الاتفاقية من الألمان عارضها علي أساس أنه ولو كان هناك من يستحق أن يحصل علي تعويض فإنه بالتأكيد ليست إسرائيل، لقد تأسست سنة ١٩٤٨، وقتما كانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت منذ ثلاثة أعوام، وبالتالي فإن الفعل لم يضرها، وإن كان ما قيل وقتها أن إسرائيل دخلت المفاوضات ووقعت الاتفاقية باعتبارها "وارثة حقوق الضحايا".

أبريل ١٩٥٢:
في أبريل من عام ١٩٥٢، انطلقت المفاوضات رسميا بين ألمانيا الغربية، وبين من تم اختيارهم باعتبارهم "ممثلو ضحايا المحرقة النازية".

كانت المفاوضات محاطة بالعديد من التعقيدات القانونية والمالية معا، لكنها في النهاية أسست لمرحلة جديدة، لقد اعترف الألمان ولو ضمنيا مع أول يوم قبلوا فيه التفاوض، بمسئوليتهم عن المحرقة.

لقد كان الاجتماع ذاته، مثيرا للجدل، حتى يومنا هذا يعتبره من يكتب عنه هكذا، نتحدث عن الهولوكوست الذي حكي عنه اليهود فظائع لا تصدق، لم يكن قد مر عليه سوى سبع سنوات، حتى جلس من يمثلون الضحايا مع من يمثلون الدولة التي ارتكبتها للحصول علي المال تعويضا.

مناحيم بيغن يخطب في معارضين الاتفاقية من الإسرائيليين، صورة من الكنيست. 

لقد عورضت هذه المفاوضات والاتفاقية فيما بعد، حتى من داخل إسرائيل نفسها، كان أبرز معارضيها زعيم حزب حيروت "مناحيم بيغن" الذي سيصبح رئيس وزراء لإسرائيل مستقبلا.

في ٧ يناير ١٩٥٢، وقبل بدأ المفاوضات، خطب بيغن في حشد من الغاضبين من المفاوضات والاتفاقية يقول أنها معركة حياة أو موت، وأنه لن يهزم فيها جنود "الأرغون" -الأرغون هي عصابة صهيونية قاتلت ضد الفلسطينيين، وكانت في نفس الوقت علي عداء مع عصابة الهاجاناة التي كان بن غوريون يقودها قبل اعلان الدولة، وصل الامر احيانا لاشتباكات عنيفة وقاتلة بينهما، ثم تحول الأمر لنزاع سياسي فيما بعد-. مضيفا أن الحكومة ستفتح مفاوضات مع من وصفهم بالقتلة الذين ابادوا الشعب اليهودي، ووصفها بالحكومة الخبيثة. داعيا الإسرائيليين للامتناع عن دفع الضرائب والبدأ في عصيان مدني.

وعلي منصة الكنيست وصف بن غوريون بالسفاح وبالفاشي.

لكن كل ما فعله بيغن، وحتى هؤلاء المتظاهرين أمام الكنيست الإسرائيلي من أبناء ضحايا الهولوكوست، والذين رفضوا المفاوضات، واشتبكوا في اشتباكات عنيفة مع الشرطة، اصيب خلالها ١٠٠ شرطي وتحطمت بعض محتويات الكنيست بسبب قذفهم له بالحجارة، ما اضطر الحكومة لاستدعاء الجيش للتدخل.

صورة للمسيرة الغاضبة نحو الكنيست، المكتبة الوطنية الإسرائيلية. 

كل هؤلاء وكل ما فعلوه لم يكن سوي معارضة، لم تنجح في إيقاف المفاوضات، التي انتهت بالفعل بتوقيع الاتفاقية، فالكنيست مرر مشروع بن جوريون بالحصول علي التعويضات ب٦١ صوت موافقة، وخمسين صوتا من المعارضين له.

مساومة:
بالتأكيد، تم النظر للأمر علي أنه مساومة، الإسرائيليين يساومون الألمان.. لكن هذه النظرة ستتحول إلي حقيقة "مثبتة"، حينما نعلم أن "ناحوم غولدمان" رئيس منظمات التعويض اليهودية عن جرائم النازية الذي أشرنا إليه مسبقا، وصف الأمر بالمساومة.

المستشار الألماني، كونراد أديناور، يجلس الثالث من اليسار، ووزير الخارجية الإسرائيلي موشيه شارات، خلال محادثات الاتفاقية عام ١٩٥٢، ورغم كل ما دفع من ألمانيا لإسرائيل، فلم تتم إقامة علاقات دبلوماسية رسمية حتى عام ١٩٦٥.

بموجب الاتفاقية، أرسلت ألمانيا لإسرائيل مجانا وبلا مقابل بضائع وصلت قيمتها إلى ثلاث مليارات (مارك ألماني سابقا) أي ما يعادل ١،٥ مليون يورو علي مدى ١٢ عاماً.

المنظمات اليهودية المدافعة عن ضحايا الهولوكوست بدورها حصلت علي ٤٥٠ مليار مارك ألماني.

أما النقطة الأهم، فبين عامي ١٩٦٠ : ١٩٧٠، صارت ألمانيا ثاني أكبر مُصدر أسلحة للدولة العبرية. في فترة استعداد إسرائيل لحرب يونيو ١٩٦٧، وما تلاها بثلاث سنوات، فساعدتها علي الانتصار فيها علي العرب.

نقطة هامة أخرى هنا، تبين لنا حجم وقيمة هذه الأرقام في تلك الفترة، ففي العام التالي مباشرة ١٩٥٣، كان ربع ميزانية إسرائيل لخطة التنمية الحكومية هي من تلك المساعدات الألمانية. فمكنتها من بناء بنية تحتية من الطرق والسكك الحديدية ووسائل شحن ومصانع في الوقت الذي كانت إسرائيل تعاني فيه من نقص حاد في السلع الأساسية مثل السكر والوقود والعملات الأجنبية.

قطار ألماني الصنع، رحلة يصل فيها لمحطة قطارات القدس، صورة عام ١٩٥٦، كان هذا القطار ضمن صفقة قطارات شملتها اتفاقية التعويضات، صورة للاستخدام العام. 

إن النظرة الفاحصة لتلك الاتفاقية، ستضعها في إطارها الصحيح، كواحدة من أهم دعائم استمرار دولة إسرائيل والتي مكنتها من البقاء ثم الاستمرار.

اتفاقية ما بعد الوحدة:
عندما انهار جدار برلين عام ١٩٨٩، وانتهاء تقسيم ألمانيا، وعودتها دولة موحدة باسم "ألمانيا الاتحادية"، كان هناك وضعا جديدا، تطلب اتفاقية جديدة، خصوصا وأن ألمانيا الشرقية كانت ترفض دفع نصيبها من التعويضات.

حينها، وبموجب هذه الاتفاقية تم سداد ٣،٦ مليار يورو، بداية من تاريخ توقيعها في ٢٩ أكتوبر / تشرين الأول ١٩٩٢ حتى عام ٢٠١١.

اتفاقية العام ٢٠١٢:
لكن القصة لا تنتهي هنا، لا تزال ألمانيا تدفع المال، ففي عام ٢٠١٢، وقعت اتفاقية جديدة مع منظمات يهودية.

نصت هذه الاتفاقية علي دفع نصف مليار يورو لثمانين ألف ضحية جديدة، ووقعها وزير المالية الألماني حينها "فولفغانغ شويبله" مع رئيس منظمة التعويض اليهودي "يوليوس بيرمان".

بخلاف تعويضات المال الساخن الذي سيدفع بطريق الكاش، بعضه كمرة واحدة، وبعضه كمعاش شهري مدي الحياة، فإن بعض عجزة اليهود ممن قيل انهم عانوا اثناء حقبة النازي، سيحصلون علي رعاية صحية ومنزلية، هؤلاء يصل عددهم إلي مائة ألف.

يومها جدد وزير المالية الألماني اعتراف بلاده بالمحرقة، واستعدادها الدفع مجددا لأي شخص ثبت أنه عاني جراء ما حدث.

وفقا للبيانات الرسمية الألمانية، بلغ إجمالي التعويضات التي دفعتها ألمانيا لإسرائيل ما قيمته ٨٣ مليار مارك ألماني. أو ٦٣ مليار يورو حتى العام ٢٠١٠.

بعض المعلومات الواردة بالموضوع، تم الاعتماد فيها علي المصادر التالية:
-دتش ويلا عربي.
-موقع الاتحاد الأوروبي بالعربية.
-البيان الإماراتية.
-هآرتس الإسرائيلية، عوفر اديريت.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -