زدني معرفة

الكابتن وليام كيد.. أحد أشهر القراصنة عبر التاريخ.. شارك في صنع مجد القرصنة الذي انتهي بعد اعدامه

 وليام كيد، أو الكابتن كيد، (المولود في غرينوك، رينفرو ، اسكتلندا، سنة ١٦٤٥. المتوفي في ٢٣ مايو ١٧٠١، لندن، إنجلترا).

لوحة تمثل الكابتن كيد في واحدة من اغاراته علي السفن، من ارشيف هيلتون، صور غيتي. 

قرصان من القرن السابع عشر، اكتسب شهرة أسطورية جعلته شخصية رئيسية حتى في روايات الأدب الانجليزي كأحد أكثر الخارجين عن القانون في كل العصور.. ونظر إليه باعتباره أسطورة من الرومانسية الخارجة عن القانون.

عصر ازدهار القرصنة:
كان القرنين السادس عشر والسابع عشر بمثابة العصر الذهبي للقراصنة البحريين في جميع انحاء العالم، لدرجة امتلاكهم وقتها سفنا حربية خاصة بهم، تتسلح بعشرات المدافع البحرية.

بل إنه وفي كثير من الأحيان، امتلك القراصنة تغطية من الحكومات علي أفعالهم، وذلك لأن الحكومات نفسها استخدمتهم في الهجوم علي سفن الدول المنافسة في وقت السلم أو المعادية في وقت الحرب، ثم يتم تقاسم الغنائم بين القراصنة والحكومات. 

لوحة بعنوان القراصنة البربريون، رسمت عام ١٦٨١، لوليام فان دي فيلدي الأصغر، وهو فنان بحري يحمل نفس اسم والده الذي كان يمتهن نفس العمل أيضا، من مجموعة ذا غرانجر، نيويورك. 


خلق ذلك الوضع، طائفة كاملة من القراصنة، اتسموا بالعجرفة التي سادت لمئتين عاما تقريبا، لما لا وقد تميزت هذه الطائفة بالابتعاد عن العمل في الزراعة أو العمالة في حرف يدوية أو مصانع بدائية عرفت بظروفها السيئة حينذاك.

بدلا من ذلك، ركبوا السفن السريعة، دفنوا كنوزهم ليلا وسط أضواء المشاعل ورسموا الخرائط التي ترشدهم لها فيما بعد، عرفوا الشواطئ المليئة بالنخيل، والحبلي بالثروات الرائعة، وتركوا لنا الكثير من القصص والروايات التي كانت كافية وفاضت بعشرات الروايات والأفلام السينمائية.

في عصر القرصنة ذلك، كان وليام كيد أحد أشهر القراصنة، بل إنه وبكل موضوعية أحد أشهر القراصنة في التاريخ، ويمكن القول أنه أكثرهم سوءا علي الإطلاق، عاصر وليام كيد سنوات وصول القرصنة لأقصى درجاتها علوا ومجدا، وشاهد بعينيه انهيارها وانهياره معها.

القرصان:
رغم أن سنوات حياته الأولى لم تعرف بدقة، سوى أن والده كان بحارا، وأن اسم والدته كان "بيسي بوتشارت"، فإن ما كتب من مطلع قصة حياة وليام كيد لم تذكر إلا ذهابه للعمل كبحار في مطلع شبابه، فأرتبط كيد بالبحر منذ البداية وحتى نهايته.

علي متن سفينة حملت اسم "أنتيغوا"، بدأت قصة القرصان الذي لا يتكرر. وغدا سينطلق ليحطم الكثير من القدرات الاقتصادية للناس وللدول في زمانه.

الكابتن كيد يحفر ليخبئ جزء من غنائمه وكنوزه، صورة من ايفيرت التاريخية، Shutter stock. 

حقق كيد نجاحات كبرى، ذاع صيته وكفاءته، حتى أصبح علي رأس قائمة القراصنة الذين تستأجرهم العائلات الملكية الحاكمة في أوروبا لمهاجمة السفن الاجنبية، ما يعطينا دلالة ليس فقط عن كفاءته، بل تأكيدا دامغا علي ان هذا العصر شهد قرصنة حكومية دولية تقف ورائها الحكومات وتدعمها ولو من خلف الستار.

بحلول سنة ١٦٨٠، كان وليام كيد أحد من جذبهم مغناطيس أمريكا، أرض الأحلام الجديدة التي كانت انجلترا تسيطر عليها وقتها، هاجر كيد إلي هناك حيث تزوج.. ويبدو أنه لم يتخلي في زواجه عن غريزة الصيد والقرصنة، إذ اختار سيدة تدعي "سارة برادلي كوكس أورت" وهي أرملة ثرية.

قبطان شرعي:
منذ العام ١٦٨٩، تحول وليام كيد إلي قبطان شرعي وتوقف عن كونه قرصانا... إذ استفاد من اندلاع الحرب بين المملكة البريطانية وفرنسا حينها.

فتحت علم الإمبراطورية البريطانية، استدعته الحكومة في لندن من أمريكا وأعطته شرعية الأبحار، بهدف استغلال خبرته الكبيرة في البحر وفي القرصنة معا ضد سفن الفرنسيين التي تبحر قبالة جزر الهند الغربية، وسواحل أمريكا الشمالية، فحصل علي تصريح بالهجوم عليها.

اتسعت شهرة الكابتن كيد، وهذه لوحة يظهر فيها مرتديا زيا أحمر، ويرحب ببعض السيدات علي متن سفينته، هذه الصورة متاحة من قسم المطبوعات والصور بمكتبة الكونجرس الأمريكية. 

أثبت كابتن كيد مجددا أنه قرصانا ناجحا، جعل الفرنسيين يدفعون فاتورة غالية جراء هجماته المستمرة علي سفنهم، كما وفر الحماية للسفن الانجليزية من هجمات الفرنسيين ولسفن شركة الهند الشرقية أهم شركة بريطانية وقتها من هجمات القراصنة الذين كانوا يتعرضون لها في البحر الأحمر والمحيط الهندي، فكان رأس حربة فتاكا، ومدافعا متميزا.

طوال تلك السنوات، وكقرصان تحت الطلب أصبح وليام كيد، هو المفضل لا للحكومة فحسب، بل حتى للرجال الاقوياء وذوي السلطة والنفوذ في إنجلترا، بمن فيهم قادة حزب "الويغ" الذي كان أحد اقوي حزبين في بريطانيا وقتها.

في نيويورك:
وفي العام التالي مباشرة، ١٦٩٠، تم تسجيله كقبطان بحري ومالك لسفينة في نيويورك الميناء الجديد في أمريكا حيث الأرض المكتشفة حديثا، وكل فرص الثراء تولد هناك، وحيث زوجته أيضا، لكنه الآن تحول لقبطان وليس قرصانا.

الكابتن وليام كيد، لوحة بريشة السير جيمس ثورنهيل، أحد أشهر رسامي عصره، والذي بريشته زين جداريات مباني ملكية وتاريخية، تظهر اللوحة ثراء كيد الذي استطاع أن يدفع لرسام بهذا الحجم قيمتها.

وبالفعل، بدأ الكابتن كيد في امتلاك بعض الممتلكات في أمريكا، بعمله هناك وزواجه أيضا كما ذكرنا... لكن التغير الكبير في هذه المرحلة، هو ان قرصان الأمس، أصبح عدو القراصنة اليوم.

فمع معرفته بتكتيكات القراصنة وسبل عملهم، وسمعته التي وصلت لأمريكا مع سوابق حراسته لسفن أمريكية في المحيط الهندي، اعتمدت عليه ولايتي "نيويورك وماساتشوستس"، وتم شراء خدماته لتخليص سواحلهم من سفن القراصنة المعادية.

ما قبل النهاية:
كقرصان مخضرم. ابحر وليام كيد بطاقمه في رحلته الأخيرة نحو المحيط الهندي ، في تلك الرحلة تم رصد سفينة أرمينية عملاقة محملة بالكنوز والذهب والحرير والبهارات باهظة الثمن، تحمل اسم "كوداغ ميرشانت" مع حمولة ٥٠٠ طن وهو رقم مذهل في تلك الأيام. أصر طاقمه علي مهاجمتها ونهبها.

الكابتن كيد يسيطر علي احدي السفن، لوحة بريشة الفنان الأمريكي جان ليون جيروم فيريس، صاحب أكبر مجموعة صور تاريخية للأحداث في التاريخ الأمريكي، رسمها فنان واحد. 

بهذا التصرف أصبح كيد علي الجانب المعادي للحكومة البريطانية، خصوصا أن احد ملاك السفينة كان وزيرا هنديا، تزامن هذا مع تضاؤل نفوذ وسيطرة أنصاره القدامي من حزب الويغ، وقدوم منافسيهم السياسيين للحكم، حيث عرضوه كسلاح سياسي، وهاجموا به مسؤولي حزب الويغ، تحت شعار "انظروا كيف كان الويغ يتصرفون، لقد كانوا يتعاملون مع القراصنة!!!".

بشراسة، انطلقت حملة شعواء للامساك بكيد، ستري في صفوفها تجار سبق وان حمي لهم تجارتهم وأبحر مع سفنهم لإيصالها للأمان، انضم هؤلاء لسلاح البحرية الملكية البريطانية في رحلة البحث عن وليام كيد.

سفينة منقسمة:
لم تنقسم سفينة الكابتن كيد انقساما بالمعني الحرفي للكلمة يؤدي لغرقها، لكنه وأسد عجوز، بدأت ملامح الفتنة تسري في مملكته البحرية الصغيرة "سفينته". تلك التي خرج بها في آخر رحلاته من أمريكا نحو المحيط الهندي، لكنها اصيبت بالفتنة، بعدما مات عددا من أفراد طاقمها، وتأخرت عمليات القرصنة الناجحة، وبدأ من علي متنها يشعرون بالملل وأنه لا جدوي في عملهم هذا.

الكابتن كيد في بداية تصديه لتمرد علي سفينته، قاده قائد مدفعية السفينة. 

وكان هجومه الفاشل في أغسطس ١٦٩٧ علي سفن كانت تحمل قهوة من اليمن لتصديرها، نذير شؤم يشعر بقرب النهاية، ولم يمر سوي شهرين حتى اشتعلت الخلافات علنا، بعدما رفض مطالب طاقمه بالهجوم علي سفينة هولندية، تمرد عليه بعض أفراده، جرت اشتباكات قاتلة علي متن سفينته بين فريق من رجاله ظل علي ولائه له، وفريق ثاني والي زعيم المتمردين عليه وقائد مدفعية سفينته "ويليام مور"، ورغم خطورة جراح الكابتن كيد التي اصيب بها في القتال، إلا أنه نجا.

الوصول الاخير:
في النهاية، وضع الكابتن كيد نهاية رحلته الاخيرة التي كانت قد استمرت لعامين، وربما لم يكن يدرك أنها آخر رحلاته، لقد عاد ليجد كل شئ قد تبدل، حتى القرصنة التي امتهنها ودعمته الحكومات لأجلها أصبحت فعلا جنائيا يعاقب عليه بالقانون.

نزل الكابتن كيد في شرق الهند ليجد حالة حمى قد انتابت الناس، اسمها البحث عن القراصنة وإلقاء القبض عليهم، حاول الحصول على عفو معتمدا علي علاقاته القديمة، مدعيا ان طاقمه هو من أجبره علي القرصنة خلال رحلته الأخيرة.

مع تحالف الجميع ضده، والانشقاقات والتحزب علي متن سفينته، تم القاء القبض عليه، وترحيله إلي لندن.

الرجل الذي أثار الفزع في بحار العالم، الذي خشي منه التجار، وحتى قادة السفن الحربية، الذي تنقل في البحار والمحيطات من البحر الكاريبي، إلي نيويورك، إلي لندن، إلي المحيط الهندي، كانت نهايته سجن "نيوجيت"، حيث تم تنفيذ حكم الاعدام شنقا بحقه في لندن عام ١٧٠١، والتهمة "القرصنة".. ذلك العمل الذي مارسه طويلا وكثيرا بتكليفات من نفس مكاتب الحكومة التي قررت محاكمته بسببه.

فشل المحاميان اللذان دافعا عن كيد في انقاذ رقبته من المشنقة، بل إن الدراما التي صاحبته حتى في لحظات اعدامه فشلت في ذلك. 

ففي ٢٣ مايو ١٧٠١، في لندن. كان لا بد من شنقه مرتين. ففي المحاولة الأولى، انقطع حبل الاعدام ونجا كيد. على الرغم من أن البعض في الحشد طالبوا بالإفراج عن كيد، بقولهم أن كسر الحبل كان علامة من ﷲ،. فإن ذلك لم يوقف شنق كيد مرة أخرى بعد دقائق، وتوفي. تم رفع جسده فوق نهر التايمز في تيلبوري بوينت، حيث ابقي معلقا لبعض الوقت. 

جثة وليام كيد تتدلي في الهواء بعد تنفيذ حكم الأعدام بحقه. 

كان إعدام القرصان الأهم والاشهر، بمثابة تحذير لباقي القراصنة في زمن بدأ فيه أفول شمسهم. وكان الحشد الذي اجتمع لاعدامه، بمثابة حشد يعلن أن حقبة القراصنة في طريقها لتصبح جزءا من التاريخ.

عبثا:
منذ يوم اعدامه، حاول الكثير من الباحثون عن الثروة، العثور علي كنز الكابتن كيد المدفون والذي ظن الكثيرون أنه دفنه في منطقة البحر الكاريبي، لكن عبثا حاول هؤلاء، ولم يستطع منهم أحد العثور عليه حتى الآن.

يعتقد أن الكابتن كيد دفن كنوزه في جزيرة غاردينرز وبلوك آيلاند عند محاولته النجاة بنفسه من القبض عليه بالعودة لامريكا قبل ان يلقي القبض عليه، منذ عدة سنوات اعلنت منظمة الأمم المتحدة للعلوم والفنون والثقافة أن ما قيل أنه كنز الكابتن كيد وانه عثر عليه في جزيرة مدغشقر بأفريقيا، مجرد أنقاض ورصاص.

بعض المعلومات الواردة بالموضوع، تم الاعتماد فيها علي المصادر التالية:
-جوجل للفنون والثقافة، وليام كيد.
-مطبعة جامعة هارفارد، كابتن كيد والحرب ضد القراصنة، روبرت سي ريتشي أستاذ التاريخ بجامعة كاليفورنيا ، سان دييغو.
-الموسوعة البريطانية، وليام كيد، قرصان بريطاني، محرري الموسوعة البريطانية، ١٩ مايو ٢٠٢١.
-موقع تاريخ المملكة المتحدة.
-بيوغرافي البريطانية، وليام كيد، نشر في ٢ أبريل ٢٠١٤، تحديث في ٢٠ أغسطس ٢٠٢٠.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -