زدني معرفة

الكوراني.. قاد ثورة شيعية مسلحة في القاهرة وصلب علي أبوابها

 يتسع تاريخ مصر لاستيعاب أكثر من ٧ آلاف عام من الحضارة، مر عليها وتعاقب الممالك والدول، الحكام والسلاطين، ورحلوا جميعا إلي التاريخ، وبقيت هي في التاريخ والحاضر والمستقبل.

لوحة لثلاثة من المماليك، الأول مدرع بالدروع ويحمل السيف، والثاني أخف حركة بالرمح، والثالث رامي للسهام، لوحة بريشة أنغوس مكبرايد، رسام الحروب والأحداث التاريخية البريطاني 

ومنذ سقوط الدولة الأيوبية مع مقتل توران شاه، ابن الصالح نجم الدين أيوب آخر ملوك تلك الدولة علي يد المماليك الذين اصطنعهم والده لنفسه زخرا وقوة، بقي المماليك سادة مصر ردحا من الزمن، لم ينتهي بهزيمتهم علي يد العثمانيين واحتلالهم لمصر، بل امتد حتى ظهور الباشا القوي "محمد علي" ، والذي أفناهم يوم قضي عليهم في مذبحة القلعة.

بيبرس:
وبين كل سلاطين المماليك، ثم ولاتهم في ظل الحكم العثماني، ربما لا يوجد من هو أقوى من الظاهر بيبرس، ذلك الذي اكتسب سمعته من انتصاراته المتتالية علي الصليبيين، والتي مهدت لرحيلهم من الشرق تماما، وانتصاره الأكبر في عين جالوت ضد المغول.

عابد فهد، الممثل السوري الشهير، من مسلسل الظاهر بيبرس الذي قام فيه بدور السلطان المملوكي. 

لكن، قد ينزوي في دهاليز التاريخ، أن بيبرس واجه ثورة داخلية ضده، شكلت تهديدا جديا ولو لبضع ساعات علي أمن واستقرار سلطنته، ثورة اتسمت بالطابع الشيعي المتطلع لإعادة عقارب الساعة إلي الوراء، واحياء الخلافة الفاطمية من جديد.

الكوراني:
وقاد تلك الحركة شخصية تسمي "الكوراني"، والذي اتسم بعدة صفات أساسية، فهو فاطمي الهوي، شيعي المذهب، من أصول فارسية إذ ينتمي إلي مدينة "نيسابور" -مدينة في إيران حاليا-، والأهم من ذلك كله أنه كان مخطط وقائد لحركة سرية.

ورغم ذلك، فلقد انكشف أمره أولا سنة ٦٥٧ه‍‍، وتم اعتقاله بواسطة المماليك، ورغم أنه قد نال عقابا تمثل في ضرب شديد، إلا أنهم كانوا رحماء به في النهاية، فأطلقوا سراحه بعدما جدد إيمانه أمام الشيخ "عز الدين بن عبد السلام".

عودة جديدة:
لكن، وعلي ما يبدو، فلم يكن الضرب رادعا للكوراني عن هدفه، لكنه تعلم من أخطائه الأولى، وأعاد المحاولة مجددا.

وقد حاول الكوراني استغلال خوف المصريين من حكم بيبرس المنتمي للمماليك البحرية المعروفين بالتسلط والقوة.

الكوراني يحشد أتباعه ويخطب فيهم، صورة من الجزء الثاني من مسلسل الكارتون "الأزهر الشريف"، سجل المسلسل في استوديوهات AGM، وتنفيذ شركة استوديوهات ALGAZERA ANIMATION SUTTONS، إخراج أحمد الجزار. 

وزاد علي ذلك، انعزاله عن قبضة المماليك، بأن اتخذ مقرا له في الجبل يحشد فيه اتباعه ويقوي شوكته.

اختار اتباعه من طوائف غير مصرية، ما يسهل عليهم القتل والتخريب والتدمير، فهم لا ينتمون للبلد، فكان اتباعه من السودانيين الذين عرف عنهم أصلا حب الفاطميين وقتالهم من أجلهم، ومن الغلمان الذين يخدمون المماليك.

وبخلاف الطابع الديني الذي وضعه كهالة تحيط به، وهي أصلا سمات في المذهب الشيعي العسكري الذي كان يعتنقه، وما يترتب علي ذلك من إيمان اتباعه به حد التقديس، بخلاف ذلك أعطاهم مغريات أخرى، فقبل تنفيذهم لهجومه الذي خططه وشرحه لهم جيدا، اعطاهم اقطاعيات من أرض مصر، بل وكتب لهم صكوك تمليكهم لها، وكأنه هو صاحبها.

يوم الواقعة:
وفي اليوم المشهود، تحرك الكوراني علي رأس اتباعه لتنفيذ الخطة.

وقد نجحوا في تنفيذها في البداية بشئ عظيم من النجاح، إذ اقتحموا القاهرة علي حين غفلة من أهلها ومن المماليك معا، وكان ذلك وقت عصر.

الكوراني في وسط القاهرة وسط عصابته، صورة من نفس المسلسل. 

ووسط صيحاتهم (يا آل علي) والتي هدفوا من ورائها لينضم المصريين لهم -وهو ما لميحدث- بتذكيرهم بالخلافة الفاطميّة واستغلال خوفهم من بيبرس، اقتحموا دكاكين السيوفيين، وهم الحرفيين الذين كانوا يصنعون السيوف وقتها. وتلك كانت خطوة الخطة الأولى وهدفها الأهم "الحصول علي السلاح"، وهو ما نجحوا في تحقيقه بالفعل.

لكن المماليك كانوا أيضا يمتلكون الخيول، ما كان يمصل عنصر حسم لهم، لذا فلم يكن مستغربا ان يكون هدف الكوراني الثاني في خطته التي شرحها لاتباعه جيدا، اقتحام اصطبلات الخيل، وسرقة الخيول منها، والمثير أنهم نجحوا في فعل ذلك فعلا، فأصبح لديهم السيوف والخيول كلاهما، وهم الآن في قلب القاهرة بهذه الكيفية الخطيرة.

نزول المماليك:
لكن، ورغم كل ذلك، فالمماليك أساسا أهل حرب وقتال، عركوها وعركتهم، تلقوا تدريباتهم منذ طفولتهم لكي يصبحوا مقاتلين، كما حاربوا ضد المغول والصليبيين.

الكوراني مكبلا ذليلا في مجلس السلطان بيبرس يتوسل الرحمة، صورة من نفس المسلسل. 

لذا فلم يجن الليل حتى كان هؤلاء المفسدين قد أصبحوا بين قتيل وأسير وجريح، وسار الأسري مربوطين بالحبال في قبضة المماليك، وقد أمر السلطان بيبرس بصلب الكوراني علي باب زويلة، فكانت بذلك نهاية لفتنته، ونهاية لأي محاولة مسلحة لاستعادة الخلافة الفاطميّة من جديد.

بعض المعلومات الواردة بالموضوع، تم الاعتماد فيها علي المصادر التالية:
-شفيق عواد عبد الكريم عرار، سكان فلسطين في العهد المملوكي، رسالة ماجستير، جامعة بير زيت الفلسطينية، كلية الدراسات العليا، ٢٠٠٣ / ٢٠٠٤، صفحة ٩٨.
-دكتور راغب السرجاني، قصة الإسلام.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -