زدني معرفة

الإمام الطيب في الحلقة ٢٩... مختارات من أهم ما قاله في الحلقات الماضية

 للعام الخامس، يتمتع المسلمون وينتفعون في شهر رمضان المبارك ببرنامج "الإمام الطيب" الخاص بفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف ورئيس مجلس حكماء المسلمين.

وهذا الموضوع يتناول الحلقة التاسع  والعشرين من رمضان ١٤٤٢ه‍‍ / ٢٠٢١ م.

تمهيد:

بدأت حلقة اليوم، بالإشارة لكونها عبارة عن مختارات من حلقات برنامج الإمام الطيب هذا العام.

دين الوسطية:
وفيها يقول الإمام الأكبر: ((ولو سألتني أيها المشاهد الكريم، عن أهم خصائص رسالة الإسلام، وأولاها بالتوضيح والبيان، فإني أجيبك في كلمة واحدة هي "الوسطية")).

والتي من أجلها سمي الإسلام، دين الوسطية، كما سمي المسلمون أمة وسطا، وهذا ما نقرأه صحيحا في قوله تعالى في سورة البقرة:
((وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ)).

حصانة مع الإجماع:
الدكتور أحمد الطيب أوضح أنه يؤخذ من الآية الكريمة أيضا، أن التعديل الإلهي لهذه الأمة، يكسبها الحصانة من الخطأ والضلال، فيما تنتهي إليه من "إجماع" علي رأي أو فعل أو قول أو تشريع.

ومن هنا كان إجماع الأمة، مصدرا من مصادر التشريع، يجب العمل به، ويحتج المسلم به يوم القيامة، وهذا الإجماع معصوم من الخطأ، وعصمته ليست بسبب الأمة، أو بسبب شخصيتها.

فهي أمة كسائر الأمم، يجوز عليها بالنظر إلي ذاتها، الخطأ والصواب، ولكنها استحقت هذه العصمة، بسبب التعديل الإلهي لها، وهي تجتمع وتبحث وتتفق علي رأي ما من الأراء.

الفرق في التكريم:
((يا أيُّها الناسُ إنَّ ربَّكمْ واحِدٌ ألا لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ ولا لأحمرَ على أسْودَ ولا لأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتَّقوَى))، شيخ الأزهر الشريف أوضح أن هذا هو الفرق بين تكريم الأمة الإسلامية وبين دعاوى التكريم الأخرى لبعض من الأمم أو الشعوب، التي لا تزال تؤمن بأن ﷲ اختارها من بين سائر الشعوب، لا من أجل نفع الإنسانية وخيرها، ولا للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولكن من أجل عنصر هذا الشعب وفصيلة دمه، وانتقاء ﷲ إياه من بين سائر الشعوب.

إلى آخر هذه "الأوهام" التي اصابت أصحابها بفقدان حاسة الشعور بالآخرين، والشلل التام بالقيام بما يجب عليهم من المسئولية الخلقية، وإملاءات الواجب، ونداءات الضمير، وشجعها علي التمادي في الظلم والطغيان، وأغراها بالعدوان علي الآخر، باسم الدين والرسالات الإلهية.

وسطية لا تنكر:
رئيس مجلس حكماء المسلمين استرجع كذلك ما قاله من أن مظاهر الوسطية، لا يستطيع باحث أن ينكرها علي هذا الدين الحنيف، فعقيدة الإسلام وسط بين الإلحاد وإنكار الإلوهية من جانب، وبين الشرك وتعدد الإلهة من جانب آخر.

هذا، وإن الوسطية لتمثل صمام أمان في هذا الدين الحنيف، كما يمثل الخروج عليها، خروجا علي الدين ذاته، سواء كان الخروج إلي طرف الإفراط ام إلي طرف التفريط.

وضابط الفرق بينهما، أن الإفراط زيادة علي ما شرع ﷲ لعباده، والتفريط انتقاص من شريعة ﷲ وأحكامه، والتشدد والتقصير كلاهما قبيح ومذموم، لأنهما يمثلان خروجا علي الوسط الذي هو العدل، ومن يتشدد في دين ﷲ، ويغالي في أحكامه، فيحرم علي الناس ما أحله ﷲ لهم، أو يوجب شيئا لم يوجبه ﷲ عليهم، ليس بأحسن حالا ولا افضل منزلة، ممن يجرؤ علي فتاوى أو أراء، يزيف بها الدين، ويعتدي بها علي شريعة ﷲ لقاء منصب أو مال أو جاه، فيحل للناس ما حرم عليهم، أو يدلس عليهم في أحكام الحلال والحرام.

كلاهما معتد علي حرمة الإسلام، وكلاهما كذاب، يزعم لنفسه حق التشريع في الدين بما لم يأذن به ﷲ، وكل محاولة من هذا القبيل إفراطا أو تفريطا، هي في واقع الأمر محاولة لتفريغ الإسلام من مضمونه الذي أراده ﷲ تعالى لهذه الأمة، وطبقه رسوله صلى ﷲ عليه وسلم من خلال أفعاله وأقواله الشريفة.

وقد ابتلي المسلمون في كل زمان ومكان بشرذمة من هؤلاء وهؤلاء يضلون الشباب ‏بفتاوى وآراء تغري إما بالتفلت من قيود ‏الدين ‏وضوابط الشرع، وإما بالتشدد ‏والانغلاق والانسحاب من المجتمع، ولا ‏عاصم ‏من سموم هؤلاء وهؤلاء إلا بسؤال ‏أهل الذكر ممن يبلغون رسالات ‏ربهم ويخشونه، ‏ولا يخشون أحدا إلا ﷲ.

مسلم به:

صاحب الفضيلة الإمام الأكبر أوضح مضيفا أن هذا ومن المسلم به لدي المنصفين من المفكرين، حتى ممن لا يؤمن بالإسلام أن تشريعات هذا الدين أمدت الإنسانية بزخم من القيم والمفاهيم والأحكام التشريعية، من أروع ما عرفه التاريخ الإنساني قديما وحديثا في هذا المجال.

ومعقد الإعجاز في هذه التشريعات أنها صدرت من نبي أمي لا يقرأ ولا يكتب ولد وعاش في بيئة صحراوية تقتات علي مظالم العباد والتمييز بين الناس علي أساس من العرق والعصبية والمكانة الاجتماعية والسلب والقتل والاغارة علي الضعيف واستعباده.

من وسط هذه البيئة يظهر ابن من ابنائها ليعلن أن الناس سواسية كأسنان المشط، وإن أكرمكم عند ﷲ أتقاكم، ويضع نهاية لكل مفاسد المجتمع الجاهلي، في الاعتقاد والاجتماع والاقتصاد والحكم والتشريع، وينجح في أن يصنع من هذا المجتمع الموبوء أبطالا حرروا العالم شرقا وغربا من ظلم الأكاسرة وجور القياصرة في فترة زمنية بالغة القصر لا تتجاوز عقدين من الزمان.

والأكثر دهشة واعجازا في أمر هذا الدين أنه يحفل بتشريع صالح للتطبيق في مجتمعات القرن الواحد والعشرين كما كان صالحا للتطبيق من قبل علي مدى ما يقرب من ألف وخمسمائة عام من عمر الزمان.

بل إنه لا يزال إنسان اليوم يرنو إلي هذا التشريع، وإلي ما يشتمل عليه من مصالح للفرد وللمجتمع كما يرنو المريض إلي الصحيح المعافي.

جوهر الشريعة:

الإمام الطيب قال في حلقة أخرى، أنه تدلنا النصوص الواضحة، وضوح الشمس علي أن جوهر الشريعة الإسلامية ولبها، هو اليسر والسماحة، ورفع الحرج والمشقة، وأن هذا الأمر منصوص عليه نصا صريحا في القرآن الكريم والسنة المطهرة.

ومن هنا، وجب علي كل من يخاطب الناس في أي أمر من أمور هذه الشريعة أن يراعي هذا المعني الجوهري، وأن يعلم أن الأمر ليس متروكا لكل من هب ودب ممن يشعرون بنشوة التشديد علي الناس وتخويفهم وترويعهم، ويتخذون من دون ذلك منهجا ثابتا في خطبهم ومواعظهم وفتواهم، ويظنون أنهم بذلك يقربون الناس إلى ﷲ تعالى ويردونهم إلي دينه وشريعته غافلين أو متغافلين أن هذا المنهج في الدعوة إلي ﷲ تعالى والذي يعرج علي ساق واحدة هي ساق الترهيب، دون الساق الأخرى وهي ساق الترغيب فيما عند ﷲ من حسن الثواب ومن النعيم المقيم.

هذا المنهج، وصفه النبي صلى ﷲ عليه وسلم بأنه فتنة. ووصف دعاته بأنهم فتانون، ومعني الفتنة هنا تنفير الناس من أداء التكاليف، وتشجيعهم علي الهروب من العبادة بسبب ما يقترفه هؤلاء الفتانون في دين ﷲ سبحانه وتعالى.

يروي الإمام البخاري في صحيحه أن معاذ بن جبل -رضي ﷲ عنه- كان يصلي مع النبي صلى ﷲ عليه وسلم ثم يرجع فيصلي بقومه إماما.. فصلي بهم العشاء مرة وقرأ سورة البقرة، ومعلوم أن سورة البقرة تستغرق أكثر من ساعة بحساب اليوم. فقام رجل وانصرف من الصلاة، وكأن معاذا -رضي ﷲ عنه- عاتب هذا الرجل وأنبه، فبلغ ذلك النبي صلى ﷲ عليه وسلم، فقال لمعاذ: ((فتان فتان فتان)) ثلاث مرات.. ثم أمره أن يقرأ بسورتين من أواسط المفصل.

وفي بعض الروايات قال له: ((اقرأ بالشمس وضحاها.. وسبح اسم ربك الأعلى)) ونحوها من السور، وقد علل شراح الحديث صحة انصراف الرجل من الصلاة بأن التخفيف في الصلاة حكم شرعي أمر به النبي صلى ﷲ عليه وسلم، وأن مخالفته بالتطويل معصية، ومخالفة العاصي جائزة. وأن الإمام الذي يطيل في صلاته يرتكب معصية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وفي حديث ابن مسعود -رضي ﷲ عنه- أن رجلا قال: ((وﷲ يا رسول ﷲ إني لاتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا)).. فما رأيت رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم في موعظة أشد غضبا منه يومئذ. ثم قال النبي صلى ﷲ عليه وسلم: ((إن منكم منفرين، فأيكم ما صلي بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة)).

ولنا أن نتدبر هذه التشريعات النبوية الصريحة في ضوء ما درج عليه كثيرون ممن يأمون الناس في صلاواتهم، ويطيلون القراءة، ويترنمون فيها، ويمعنون في التغني بها تقليدا لأئمة آخرين، وطلبا للذيوع والشهرة وانتشار التسجيلات، وإن كثيرا من المصلين ورائهم، ليتحامل علي نفسه مما به من ضعف أو كبر أو مرض.

-المصادر التي اعتمد عليها الموضوع:
موقع يوتيوب، القناة الرسمية للأزهر الشريف، برنامج الإمام الطيب، الحلقة التاسعة والعشرين.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -